قال خليل أبو كرش، الباحث في الشأن الإسرائيلي، إن الضفة الغربية تمر بمرحلة شديدة الخطورة على المستويين السياسي والجغرافي، مؤكدًا أن ما يجري على الأرض لم يعد مجرد إدارة للصراع، بل محاولة حسم شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بصورة نهائية.
وأوضح فى تصريحات خاصة لـ"الدستور " أن الوضع السياسي في الضفة الغربية متأزم إلى حد كبير، حيث تعيش حالة غليان مستمر وتصعيد غير مسبوق، نتيجة سلوك المستوطنين المتطرفين واستمرار اعتداءاتهم المنظمة على المدن والقرى الفلسطينية، إلى جانب الاقتحامات اليومية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، وحملات الاعتقال الواسعة، وإصدار أوامر هدم المنازل.
وأضاف أن هذا المشهد يعكس واقعًا سياسيًا متفجرًا، ينعكس بشكل مباشر على الجغرافيا الفلسطينية.
وأشار إلى أن التأثير الجغرافي يتمثل في تقسيم واضح لجغرافيا الضفة الغربية، من خلال تكثيف البوابات والحواجز العسكرية، والسيطرة المتزايدة على الأراضي، وإخلاء بعض المناطق من سكانها الفلسطينيين، خاصة المناطق المصنفة (ج)، مؤكدًا أن هناك تكاملًا واضحًا بين الأداء السياسي الإسرائيلي وتأثيره الجغرافي، وانعكاسًا ممنهجًا لهذا الأداء على الأرض بهدف إحكام السيطرة على الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية.
وأكد الباحث في الشأن الإسرائيلي أن ما يجري يمكن تتويجه بمحاولة شاملة لتهويد الضفة الغربية وإحكام السيطرة الكاملة على الأرض والسكان، لافتًا إلى أن الاستيطان الحالي يشهد تكثيفًا كبيرًا وسريعًا بفعل اليمين المتطرف الذي يحكم إسرائيل حاليًا، والذي يؤمن بالاستيطان كأداة حصرية ومركزية للسيطرة على الأرض وتهويدها وطرد الفلسطينيين.
وأضاف “أبو كرش” أن هذا التيار اليميني المتطرف يسعى لحسم الصراع مع الفلسطينيين “مرة واحدة وإلى الأبد”، ويملك الموارد والإمكانيات والسلطة السياسية التي تمكنه من تنفيذ رؤيته على الأرض، في ظل اعتقاد راسخ بأن الاستيطان يمثل قيمة قومية عليا داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأوضح أن هذه الرؤية تقوم على معادلة “أرض أكثر وسكان أقل”، والمقصود بالسكان الأقل هم الفلسطينيون، أي العمل على طردهم أو دفعهم للهجرة القسرية.
وأشار إلى أن ما يحدث حاليًا يندرج ضمن ما يُعرف بـ“مخطط الحسم” الذي يحاول وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تنفيذه بوتيرة سريعة ويومية، مستغلًا الواقع السياسي والجغرافي القائم، إلى جانب الظروف الإقليمية والدولية. وأكد أن الضفة الغربية تشهد ضمًا زاحفًا، تستخدم فيه الطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية كأدوات مركزية لاستمرار الهيمنة والسيطرة والتحكم في الأرض والسكان.
وأوضح أن تغيير ملامح الضفة الغربية وإخلاءها من الفلسطينيين تمثل الهدف الأساسي لهذه السياسات، في إطار مسعى واضح لإحباط ومنع إقامة دولة فلسطينية بشكل كامل ونهائي، مشيرًا إلى وجود تكثيف غير مسبوق في وتيرة الاستيطان.
وأضاف أن عملية البناء الاستيطاني أصبحت سريعة للغاية، خاصة بعد أن ألغى “سموتريتش” معظم الخطوات البيروقراطية المتعلقة بالبناء في المستوطنات، بحيث يتم البدء في البناء فعليًا في اليوم التالي مباشرة لإعلان الحكومة عن إنشاء وحدات استيطانية جديدة. وأكد أن هناك تشريعًا وحماية رسمية للمستوطنين في كل ما يتعلق باعتداءاتهم وسرقة الأراضي في الضفة الغربية، ما يشجعهم على إقامة بؤر استيطانية جديدة يتم شرعنتها لاحقًا عبر ربطها بالبنية التحتية ومنحها الغطاء القانوني والموارد اللازمة لتتحول تدريجيًا إلى مستوطنات قائمة.
وفيما يتعلق بمدينة القدس، شدد أبو كرش على أنها تمثل مركز ونقطة الصراع الأخطر والأهم، فمن الناحية الدينية، تُعد القدس محورًا أساسيًا للصراع، حيث تدّعي إسرائيل أنها مدينة “كاملة وموحدة ويهودية”، وتسعى لعزلها عن محيطها الفلسطيني، وتهويد من تبقى من سكانها الأصليين عبر التضييق الممنهج عليهم، في محاولة لدفعهم إلى مغادرة المدينة، لتكريس القدس عاصمة يهودية موحدة.
وأضاف أن للقدس أيضًا ثقلًا سياسيًا بالغ الأهمية، كونها مركزًا للحكم السياسي، وهو ما يفسر إصرار إسرائيل على عدم تقاسمها مع أي طرف فلسطيني.
وأوضح أن إغلاق الأفق أمام العملية السياسية دفع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ذات التوجه اليميني، إلى تعميق الاستيطان، وتعزيز فصل القدس عن محيطها الفلسطيني، وتشديد الخناق على المقدسيين لإفراغ المدينة ومحيطها من سكانها الأصليين، مقابل توفير كل مقومات الحياة والدعم لليهود داخل المدينة.
وأشار إلى أن ما يُعرف بمشروع “القدس الكبرى” يهدف إلى ربط القدس بمحيطها الاستيطاني، من خلال توسيع مساحتها وضم مزيد من المستوطنات لتصبح تابعة لبلدية القدس، بما يضمن أغلبية يهودية واضحة ويحوّل الطابع العام للمدينة إلى طابع يهودي خالص. وأكد أن هذا الربط الاستيطاني لا يهدف فقط إلى تهويد القدس، بل يسعى أيضًا إلى إحباط أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
وأوضح أن من بين أبرز هذه المشاريع مشروع ربط القدس بمستوطنة معاليه أدوميم عبر منطقة (E1)، ومشاريع ربطها بمستوطنات غوش عتصيون وإفرات جنوبًا، مشيرًا إلى أن هذه المشاريع جميعها تندرج ضمن مخطط القدس الكبرى والقدس اليهودية الذي تتبناه إسرائيل.
وأكد على أن هذا التصور نابع من انزياح المجتمع الإسرائيلي بشكل متزايد نحو اليمين، ومن وجود حكومات يمينية واضحة تؤمن بأن القدس ملكية يهودية خالصة، وترى أن الاستيطان حق مشروع في الأرض الممتدة “ما بين البحر والنهر”، وتعتقد في الوقت ذاته أنه لا مكان للفلسطينيين في هذه الأرض.















0 تعليق