قد تلاحظ فى المقاهى والحرم الجامعية والحفلات الموسيقية والأسواق شابا يحمل كاميرا فيلم حقيقية، رغم أن جيل زد نشأ وسط تقنيات التصوير الفورى والتخزين غير المحدود والكاميرات التى تسعى لجعل كل صورة مثالية، ويبدو أن جزءا من هذا التحول يعود إلى أن التصوير الرقمى أصبح سهلا للغاية، فالمستخدم يلتقط مئات الصور، ويراجعها فورا، ويحذف غير المثالى منها، ثم يعدل الألوان والتفاصيل قبل نشرها، أما الفيلم فيغير هذا الإيقاع، إذ لا يتيح معرفة النتيجة مباشرة، ما يجعل التصوير أبطأ وأكثر عفوية، تلتقط الصورة ثم تنتظر لترى ما حصلت عليه فى النهاية.
الحبوب والانتظار
تمنح حبيبات الفيلم الصور ملمسا مميزا تسعى الكاميرات الرقمية عادة إلى التخلص منه، كما تجعل الصور أقل مثالية، وقد تضيف إليها عمقا عاطفيا، وتحول المشاهد العادية إلى صور لا تنسى، ويمنح التصوير الفيلمى أيضا تجربة مختلفة بسبب تأجيل النتيجة، فلا تظهر الصور فورا، ويصبح الانتظار جزءا من التجربة، بينما تتحول الأخطاء إلى جزء من القصة، وتبدو كل صورة بعد التحميض كأنها مفاجأة صغيرة.
وتوفر الكاميرات ذات الاستخدام الواحد مدخلا بسيطا إلى التصوير التناظرى، فهى رخيصة وسهلة ولا تحتاج إلى معرفة تقنية كبيرة، وفى الحفلات والإجازات والمناسبات، يمنح هذا الأسلوب العفوى تجربة أكثر طبيعية من حمل معدات رقمية باهظة الثمن.

التصوير بكاميرات قديمة
الصور المادية والعيوب
تمنح الصور المطبوعة إحساسا مختلفا عن الصور الموجودة على الهاتف، إذ يمكن وضعها على المكتب أو فى المحفظة أو تعليقها على الحائط، وتحول المطبوعات الصور إلى ذكريات مادية بدلا من مجرد ملفات رقمية، كما يسمح الفيلم بالتخلى عن السعى إلى الكمال التقنى، فالإضاءة الزائدة قليلا أو الضبابية أو الألوان الغريبة أو نقص التعريض قد تمنح الصورة شخصية وطابعا أكثر أصالة.
وبعد سنوات من الصور المصقولة والإعدادات المسبقة والتنقيح على إنستجرام، يبدو التصوير التقليدى بالنسبة للبعض وسيلة للابتعاد عن ضغط صناعة المحتوى والمقارنة، فبدلا من التفكير فى إنشاء محتوى، يصبح الهدف ببساطة التقاط صورة.
ويرتبط ذلك أيضا بالحنين إلى الماضى، رغم أن العديد من مصورى جيل زد لم يعيشوا عصر التصوير التقليدى، فقد ألهمتهم ألبومات الصور العائلية القديمة والأفلام الكلاسيكية والكاميرات المستعملة والأزياء القديمة، ليصبح الفيلم وسيلة للمشاركة فى هذا الشعور بدلا من مجرد مشاهدته.

صورة بالأبيض والأسود
رفض الكمال الرقمى
من أهم ما يميز التصوير الفيلمى غياب شاشة LCD، ما يقلل مراجعة الصور ويجعل المصور أكثر حضورا مع موضوعه، ويشجعه على الاعتماد على التكوين والحدس والاستمرار دون التوقف لمراجعة كل لقطة، ولا يعنى ذلك أن جيل زد يكره التصوير الرقمى، فالكاميرات الرقمية والهواتف الذكية ما زالت تتمتع بقدرات هائلة وسهولة كبيرة، لكن الفيلم يوفر تجربة أبطأ تتطلب الالتزام، مع عدد محدود من اللقطات وتكلفة للتحميض واحتمال الحصول على صورة غير مثالية أو صورة رائعة.
ويبدو أن عودة التصوير التناظرى لا تمثل رفضا للتكنولوجيا بقدر ما تعبر عن رفض للكمال، فبعد ثقافة الفلاتر والخوارزميات وصور السيلفى المعدلة والصور المولدة بالذكاء الاصطناعى، قد تبدو الصورة المائلة قليلا أو ذات الحبيبات والإضاءة غير المثالية أكثر صدقا.

صورة بطراز تسعيناتي
تجربة التصوير قبل التكنولوجيا
لا يبحث المصورون الشباب بالضرورة عن الكاميرا الأكثر تطورا، بل عن تجربة مختلفة، ولهذا تستمر الكاميرات القديمة والكاميرات ذات الاستخدام الواحد والكاميرات الفورية وكاميرات SLR الكلاسيكية فى جذب الاهتمام.
ويشبه الأمر أسطوانات الفينيل، فخدمات البث أسرع وأرخص وأسهل، لكن الفينيل يستمر لأن الناس يستمتعون بطقوس الاستماع إليه، ويعمل الفيلم بالطريقة نفسها، إذ أن تحميل الفيلم واختيار الإطارات وسماع صوت الغالق الميكانيكى وانتظار التحميض ثم رؤية الصور، كلها تفاصيل تصنع علاقة مع عملية التصوير نفسها.
ولا يعود الفيلم لأن التصوير الرقمى فشل، فقد انتصر التصوير الرقمى لأسباب واضحة، فهو سريع ومرن وبأسعار معقولة ويمتلك قدرات هائلة، ولا يبدو أن الفيلم سيحل محله على نطاق واسع.
لكن جاذبية الفيلم تكمن فى أنه يقدم شيئا مختلفا، فعندما يصبح كل شيء فوريا، تصبح الفورية أمرا عاديا، وعندما يصبح كل شيء قابلا للتعديل، يصبح النقص مثيرا للاهتمام، لذلك قد لا يسأل جيل زد فقط: "كيف يمكننى التقاط صور أفضل؟"، بل يطرح سؤالا مختلفا: "كيف يمكن أن يكون الشعور بالتصوير مختلفا؟"، ويبدو أن التصوير الفيلمى يمتلك إجابة جيدة بشكل مفاجئ.
















0 تعليق