تجوز للسلطات المختصة - فى أى دولة، ووفقا للأطر القانونية والقضائية المنظمة - مطالبة منصات التواصل الاجتماعى بحجب أو تقييد الحسابات والصفحات التى تدعو إلى العنف أو تروج للأعمال الإرهابية أو تبث خطابات الكراهية والعنصرية والتحريض، متى ثبت أن محتواها يشكل تهديدا للسلم العام والأمن المجتمعى، ويتم ذلك عبر مخاطبات قضائية رسمية تصدر عن جهات التحقيق أو المحاكم المختصة، وتُوجَّه إلى مراكز إنفاذ القانون التابعة لهذه المنصات، باعتبارها الجهات المعنية بالتعامل مع طلبات الحكومات وأجهزة العدالة، وفحص مدى مخالفة المحتوى لسياسات النشر والمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب وخطاب الكراهية والتحريض على العنف.
ويُعد ما يحدث تقنيا أكثر تعقيدا مما يبدو، لأن هناك فارقا جوهريا بين حذف الحساب من خوادم المنصة نفسها، وبين منع الوصول إليه داخل دولة بعينها، وهو الفارق هو الذى يفسر لماذا يستطيع مستخدم فى دولة ما رؤية الحساب بشكل طبيعى، بينما يظهر لمستخدم آخر داخل دولة مختلفة على أنه «غير متاح»، وتقنيا، تعتمد الحكومات والمنصات على مجموعة من الأدوات القانونية والشبكية والخوارزمية لتقييد الوصول إلى حسابات أو محتوى محدد، دون الحاجة إلى إغلاق المنصة بالكامل.
الحساب موجود لكن لا يمكنك الوصول إليه
السيناريو الأكثر شيوعا ليس حذف الحساب من المنصة، بل حجب الوصول إليه محليا عبر مزودى خدمات الإنترنت داخل الدولة، وهى عملية تُعرف باسم «Geo Blocking» أو الحجب الجغرافى، وفى هذا النموذج، يبقى الحساب موجودا على خوادم المنصة العالمية، ويمكن لأى مستخدم خارج الدولة رؤيته بشكل طبيعى، لكن المستخدمين داخل الدولة المستهدفة يفقدون القدرة على الوصول إليه، ويتم ذلك غالبا عبر شركات الإنترنت ومزودى الخدمة ISP، الذين يطبقون أوامر الحجب باستخدام تقنيات متعددة، منها: حجب روابط URL الخاصة بالحساب، ومنع الوصول إلى معرف الحساب الرقمى User ID، وفلترة الدومينات المرتبطة بالمحتوى، أو استخدام أنظمة تحليل حركة البيانات المعروفة باسم «Deep Packet Inspection DPI».
وهذه الأنظمة تستطيع فحص حركة الإنترنت المارة عبر الشبكات المحلية وتحديد الطلبات المرتبطة بحساب أو رابط معين، ثم منعها قبل وصولها للمستخدم، ولهذا السبب أحيانا يعمل الحساب بشكل طبيعى بمجرد تشغيل VPN، لأن المستخدم يبدو حينها وكأنه يتصفح من دولة أخرى خارج نطاق الحجب.
حجب الحساب وحجب الموقع بالكامل.. تقنيا، حجب حساب واحد فقط يشبه منع جهاز محدد من الاتصال بالإنترنت داخل شبكة منزلية، بدلا من فصل الإنترنت عن البيت كله، فكل حساب على منصات التواصل يمتلك User ID فريد، وروابط URL مستقلة، ومعرفات API خاصة به، وبصمة رقمية مرتبطة بالنشاط والسلوك.
لذلك تستطيع الأنظمة استهداف حساب بعينه، أو منشور محدد، أو فيديو، أو حتى هاشتاج وكلمات مفتاحية، وهذا يفسر الطريقة التنقية للكيفية التى يمكن لدولة أن تمنع حسابا واحدا فقط دون التأثير على بقية المنصة.
الطلبات الحكومية الرسمية للمنصات.. الطريقة الثانية لا تعتمد على مزود الإنترنت، بل على المنصة نفسها، فهنا تتواصل الحكومة رسميا مع شركات مثل Meta أو X أو تيك توك، وتطلب تنفيذ أحد الإجراءات مثل حذف الحساب، أو تقييده داخل دولة محددة، أو إزالة محتوى بعينه، وتملك المنصات بالفعل أنظمة رسمية لهذا النوع من القيود، أبرزها نظام «Country Withheld Content»، وهو نظام يسمح بإخفاء الحساب أو المحتوى داخل نطاق جغرافى محدد استجابة لطلبات قانونية محلية، وتوضح منصة X فى صفحة المساعدة الخاصة بها أن المحتوى قد يتم حجبه فى «ولاية قضائية محددة» إذا تلقت الشركة طلبا قانونيا صحيحا من جهة حكومية أو قضائية، وفى هذه الحالة، يظهر الحساب عالميا بشكل طبيعى، لكنه يختفى فقط للمستخدمين الموجودين داخل الدولة التى قدمت الطلب.
اللافت أن المنصة تعتمد غالبا على موقع «المشاهد» وليس صاحب الحساب، أى أن الحساب قد يكون متاحا لصاحبه نفسه أثناء السفر خارج الدولة، لكنه محجوب داخلها.
خوارزميات المنصات.. النوع الثالث هو الحظر الشامل والمطلق، وهو الذى يصدر من المنصة نفسها ضد الحساب نتيجة لانتهاك معايير المجتمع، أو التورط فى حملات مضللة منظمة، أو تلاعب سياسى موجه، لكن التحدى الأكبر للمنصات هنا: كيف تمنع الشخص المحظور من إنشاء حساب جديد بعد 5 دقائق؟، حيث تعتمد المنصات هنا على تقنيات الذكاء الاصطناعى وبناء «الملفات السلوكية والبصمات الرقمية المستقلة «Digital Fingerprinting»، حيث تقوم الأنظمة بربط الحساب بشبكة معقدة من البيانات تشمل: بصمة الجهاز والـIP: التعرف على المعرّفات الصلبة للهاتف أو الحاسوب «MAC Address»، وسلوك النشر والأنماط المعرفية بما فى ذلك رصد التوقيتات، ونوعية الكلمات المفتاحية المستخدمة، وطريقة التفاعل مع الحسابات الأخرى، والبيانات المترابطة مثل أرقام الهواتف، رسائل التفعيل، المتصفحات المستخدمة، وحتى الحسابات البديلة المفتوحة على نفس الجهاز.
هذه البصمة الرقمية المتكاملة تفسر لماذا عندما يحاول شخص محظور إنشاء حساب جديد باسم مستعار، يتم إغلاقه تلقائيا فى غضون ثوانٍ، فالخوارزميات تعرفت على «بصمته الرقمية وسلوكه المعتاد» وليس اسمه.
ماذا يحدث داخل المنصة بعد طلب الحجب؟
المنصات الكبرى لا تعتمد فقط على البلاغات البشرية، بل تستخدم أنظمة مراجعة آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعى لتحليل الحسابات والروابط بينها، فعندما تعتبر المنصة أن الحساب يخالف سياساتها - سواء بسبب التحريض، أو السبام، أو الحملات المنظمة، أو التلاعب السياسى، أو النشاط غير الطبيعى، تبدأ الأنظمة فى ربط الحساب بما يُعرف بـ«البصمة الرقمية»، وتشمل هذه البصمة عنوان الـIP، والجهاز المستخدم، المتصفح، رقم الهاتف، نمط النشر، الحسابات المرتبطة، وسلوك التفاعل، ولهذا السبب أحيانا يُحظر الحساب الجديد بسرعة كبيرة بمجرد إنشائه، لأن المنصة تعتبره امتدادا لحساب سبق حظره.

















0 تعليق