تتصدر أهمية تطعيم الحصبة اهتمامات كثير من الأسر، في ظل تزايد التساؤلات حول سلامة لقاحات الأطفال وما يُثار عبر مواقع التواصل الاجتماعي من معلومات بشأن علاقتها بالتوحد أو احتمالية تسببها في مشكلات صحية خطيرة، وهو ما دفع الأطباء إلى توضيح الحقائق العلمية المرتبطة بالتطعيم، والتأكيد على دوره الأساسي في حماية الأطفال من مرض شديد العدوى قد يؤدي إلى مضاعفات تهدد حياتهم.
ويؤكد المتخصصون أن التطعيم ضد الحصبة يُعد من أهم وسائل الوقاية من المرض، خاصة أن العدوى لا تقتصر على ارتفاع درجة الحرارة وظهور الطفح الجلدي، وإنما قد تتطور إلى الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ، فضلًا عن احتمالية الوفاة في بعض الحالات، لا سيما بين الأطفال الصغار.
وأوضح الدكتور إسلام عنان، أستاذ علم الأوبئة، أن اللقاحات تعمل على تدريب الجهاز المناعي للتعرف على الفيروسات ومقاومتها، من خلال تحفيز الجسم على إنتاج الأجسام المضادة وتكوين ذاكرة مناعية تساعده على مواجهة العدوى عند التعرض لها مستقبلًا.
كيف يعمل لقاح الحصبة داخل جسم الطفل؟يأتي لقاح الحصبة ضمن اللقاح الثلاثي المعروف باسم (MMR)، الذي يوفر الحماية من ثلاثة أمراض، هي الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية.
وينتمي هذا اللقاح إلى فئة اللقاحات الحية المُضعّفة، إذ يحتوي على نسخة ضعيفة من الفيروس، تساعد الجهاز المناعي على التعرف عليه وتكوين استجابة مناعية دون التعرض للمخاطر الصحية المرتبطة بالإصابة الطبيعية بالمرض.
وتتمثل أهمية هذه الآلية في استعداد الجهاز المناعي لمواجهة الفيروس بسرعة وكفاءة أكبر عند التعرض للعدوى الحقيقية، وهو ما يقلل احتمالات الإصابة ومضاعفاتها الخطيرة.
هل لقاح الحصبة يسبب التوحد؟
تُعد العلاقة بين لقاح الحصبة والتوحد من أبرز المخاوف التي يطرحها بعض أولياء الأمور، إلا أن الأدلة العلمية المتاحة لا تدعم وجود علاقة سببية بين الحصول على اللقاح والإصابة بالتوحد.
وأظهرت دراسة علمية نُشرت في دورية Annals of Internal Medicine عام 2019، وشملت أكثر من 657 ألف طفل في الدنمارك، عدم وجود زيادة في معدلات الإصابة بالتوحد بين الأطفال الذين حصلوا على لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR).
كما لم ترصد الدراسة ارتفاعًا في المخاطر لدى الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي أو تاريخ عائلي للإصابة بالتوحد، وهو ما يدعم نتائج الأبحاث العلمية التي تنفي وجود ارتباط بين التطعيم والإصابة بهذا الاضطراب.
مكونات لقاح الحصبة ومدى خضوعها للرقابة
تخضع لقاحات الحصبة لمعايير السلامة والجودة قبل إتاحتها للاستخدام، وتختلف بعض مكوناتها المساعدة وفقًا للشركة المصنعة ونوع المستحضر.
ووفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، لا يحتوي لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) على الألومنيوم، بينما قد تتضمن بعض التركيبات مواد مثل السوربيتول والجيلاتين والأحماض الأمينية وكميات ضئيلة من بعض المضادات الحيوية المستخدمة خلال التصنيع.
وينصح الأطباء بالرجوع إلى النشرة الخاصة باللقاح المستخدم، للتعرف على مكوناته والتحقق من مدى ملاءمته للحالة الصحية للطفل.
الآثار الجانبية المحتملة بعد تطعيم الحصبة
قد تظهر بعض الأعراض الجانبية بعد حصول الطفل على لقاح الحصبة، لكنها غالبًا ما تكون بسيطة ومؤقتة، وتختفي دون الحاجة إلى تدخل طبي خاص.
ومن أبرز الأعراض المحتملة:
* الشعور بالألم أو ظهور احمرار وتورم بسيط في موضع الحقن.
* ارتفاع درجة حرارة الطفل.
* ظهور طفح جلدي خفيف بعد عدة أيام من التطعيم.
* تورم الغدد الليمفاوية في بعض الحالات.
وتوجد مضاعفات نادرة للغاية، قد تشمل التشنجات المرتبطة بارتفاع درجة الحرارة، أو انخفاضًا مؤقتًا في عدد الصفائح الدموية، بالإضافة إلى احتمالية حدوث تفاعل تحسسي شديد.
ويجب مراعاة أن لقاح الحصبة الحي المُضعّف لا يناسب بعض الفئات، ومنها النساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في المناعة، أو لديهم تاريخ من الحساسية المفرطة تجاه أحد مكونات اللقاح، ولذلك ينبغي تقييم الحالة الصحية واستشارة الطبيب قبل التطعيم.
لماذا يمثل تطعيم الحصبة ضرورة لحماية الأطفال؟
يحذر الأطباء من الاستهانة بمرض الحصبة أو الاعتماد على الإصابة الطبيعية به لاكتساب المناعة، نظرًا لما قد يسببه من مضاعفات خطيرة.
ووفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، قد يصاب طفل واحد من كل 20 طفلًا مصابًا بالحصبة بالالتهاب الرئوي، بينما قد يتعرض طفل من كل ألف حالة إلى التهاب الدماغ، وهو أحد أخطر المضاعفات التي قد تنتج عن المرض.
كما تشير البيانات إلى احتمالية وفاة طفل إلى ثلاثة أطفال من كل ألف حالة إصابة بالحصبة.
ولا تتوقف مخاطر المرض عند المضاعفات المباشرة، إذ يمكن أن تؤدي الإصابة بالحصبة إلى إضعاف الذاكرة المناعية للجسم، فيما يُعرف علميًا باسم «فقدان الذاكرة المناعية» (Immune Amnesia)، وهي حالة قد تجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة بأمراض وعدوى أخرى سبق لجهازه المناعي أن اكتسب القدرة على مقاومتها.
7 نصائح للأمهات للتعامل مع الطفل بعد تطعيم الحصبة
قدم الدكتور مدحت أحمد، استشاري الأطفال بالقصر العيني، مجموعة من الإرشادات التي تساعد الأمهات على متابعة أطفالهن بعد الحصول على تطعيم الحصبة والتعامل مع الأعراض المحتملة، وتشمل ما يلي:
1- متابعة درجة الحرارة: ينبغي مراقبة درجة حرارة الطفل بعد التطعيم، إذ قد ترتفع أحيانًا بعد عدة أيام، مع تجنب إعطائه خافضات الحرارة بصورة وقائية دون وجود داعٍ طبي أو استشارة الطبيب.
2- الاهتمام بالسوائل والرضاعة: يُنصح بالاستمرار في الرضاعة الطبيعية أو الصناعية، وتقديم السوائل المناسبة لعمر الطفل، مع توفير الراحة الكافية له إذا شعر بالتعب.
3- تخفيف ألم موضع الحقن: يمكن استخدام كمادات باردة ونظيفة لفترة قصيرة لتقليل الاحمرار أو التورم البسيط، مع تجنب الضغط أو التدليك القوي لمكان التطعيم.
4- مراقبة الطفح الجلدي: قد يظهر طفح جلدي خفيف أو ارتفاع محدود في درجة الحرارة بعد نحو أسبوع إلى أسبوعين من التطعيم، لكن ينبغي استشارة الطبيب إذا كانت الأعراض شديدة أو غير معتادة.
5- عدم استخدام المضادات الحيوية دون استشارة: لا تعالج المضادات الحيوية الأعراض الجانبية الناتجة عن اللقاح، ولا ينبغي استخدامها إلا عند وجود عدوى بكتيرية تستدعي ذلك وفقًا لتقييم الطبيب.
6- استكمال جرعات التطعيم: يجب الالتزام بمواعيد الجرعات المحددة في جدول التطعيمات المعتمد، لأن الحصول على جرعة واحدة لا يعني بالضرورة اكتمال الحماية المطلوبة.
7- الانتباه إلى علامات الخطر: عند ظهور صعوبة في التنفس أو تورم الوجه والحلق أو الدوخة الشديدة أو فقدان الوعي بعد التطعيم، يجب طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا، لاحتمالية حدوث حساسية شديدة، رغم ندرة هذا التفاعل.
كما يُنصح بالتواصل مع الطبيب إذا استمرت الحمى أو ارتفعت بصورة ملحوظة، أو ظهرت أعراض غير معتادة، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من مشكلات صحية تستدعي متابعة خاصة.
تطعيم الحصبة ساهم في إنقاذ 59 مليون شخص حول العالم
وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية عن الدور الكبير الذي لعبته برامج التطعيم في الحد من الوفيات الناتجة عن الحصبة، إذ ساهمت اللقاحات في منع نحو 59 مليون وفاة حول العالم خلال الفترة من عام 2000 وحتى عام 2024.
وتعكس هذه الأرقام أهمية الالتزام ببرامج التطعيم الوطنية، والحرص على حصول الأطفال على الجرعات الموصى بها في مواعيدها المحددة، باعتبار التطعيم أحد أهم التدابير الصحية للحد من انتشار الأمراض المعدية وتقليل مضاعفاتها.
وفي النهاية، يؤكد الأطباء أن الوقاية من الحصبة بالتطعيم أكثر أمانًا من تعريض الأطفال لمخاطر الإصابة الطبيعية بالمرض، مع ضرورة حصول كل طفل على الجرعات المقررة وفقًا لجدول التطعيمات المعتمد، ومراجعة الطبيب عند وجود أي موانع صحية أو استفسارات تتعلق بسلامة اللقاح.
- بسبب خطورة الإصابة بالمرض.. أطباء يحددون أسباب أهمية تطعيم الحصبة
- إقبال على تطعيم الأطفال بالوحدات الصحية ضد الحصبة ومدارس كفر الشيخ.. صور
- صحة القليوبية: تطعيم 164870 طفلا فى اليوم الأول لحملة التطعيم ضد الحصبة
- بالتزامن مع الحملة القومية.. 5 فئات يجب تقييم حالاتها قبل تطعيم الحصبة
- محافظ بني سويف يتفقد سير العمل في حملة تطعيم أكثر من 795 ألف طفل ضد الحصبة






