في غمار أعمال الحصر التي تشهدها طرة البلد، يبرز ملف آخر يحتاج إلى إجابة واضحة ودقيقة، يتعلق بنحو 22 عمارة تقريبا داخل المنطقة، أغلبها من المباني الحديثة ذات الارتفاعات الكبيرة، حيث يصل ارتفاع بعضها إلى 11 طابقا، وتضم في مجموعها ما يقرب من 500 وحدة سكنية.
واللافت في أعمال الحصر أن اللجان بدأت بالفعل بعمارتين من المباني الحديثة داخل المنطقة، ثم توقفت عن استكمال حصر بقية العمارات الجديدة، وانتقلت إلى عدد من المباني القديمة، وهو ما أثار علامات استفهام واسعة بين الأهالي، وأدى إلى تسرب الخوف والقلق إلى القلوب من جديد.
فلماذا بدأ الحصر بالعمارات الحديثة، ثم تم الانتقال إلى المباني القديمة؟! وهل كان ذلك ترتيبا فنيا أو إداريا له أسباب محددة؟! وهل ستعود اللجان لاستكمال حصر هذه العمارات، أم أن هناك معيارا مختلفا في التعامل معها؟!
أسئلة مشروعة
أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة حتى لا يظل الأهالي أسرى للتخمين وحتى يعرف الجميع.
وماذا لو لم تستكمل لجان الحصر أعمالها في العمارات الحديثة؟! وهل يعني الانتقال إلى المباني القديمة أن هذه العمارات خرجت من نطاق الحصر، أم أن هناك ترتيبا آخر ستستكمل به اللجنة أعمالها لاحقا؟!
ويخشى الأهالي أن يؤدي عدم الفحص الكامل لكل العقارات إلى معاملة أوضاع قانونية مختلفة بمعايير غير واضحة، بينما يرى أصحاب العمارات الحديثة أن من حقهم أن تتم مراجعة أوضاع عقاراتهم بصورة رسمية، فيعرف من له مستحقات أو حقوق ما له، ومن عليه مخالفات أو التزامات ما عليه، ويتم التعامل مع الجميع وفق القانون دون تمييز أو استثناء.
فالمطلوب ليس حماية مخالفة، ولا منح أحد ميزة، وإنما أن يذهب كل صاحب عقار إلى الجهة المختصة، ويقدم ما لديه من مستندات، ويعرف بوضوح: “إيه اللي ليه.. وإيه اللي عليه”.
وهو ملف يطرح سؤالا مهما؛ حول مدى العدالة في التعامل مع العقارات المختلفة، واختلاف الموقف القانوني من عقار إلى آخر، وما إذا كانت هذه العقارات تخضع جميعها للمعايير والإجراءات نفسها أم أن لكل منها وضعا قانونيا وفنيا يستوجب الدراسة بصورة مستقلة.
والأهم.. هل يمكن أن يقع عبء أي قرار تطوير أو إزالة على الأغلبية، بينما توجد مبانى أخرى تحتاج إلى مراجعة قانونية وفنية مستقلة لكل حالة؟!
ووفقا ما يقوله الأهالي فإن من بين هذه العمارات نحو 4 عمارات، توجد بشأنها أوراق ومستندات سليمة وتراخيص قانونية، بينما توجد حالات أخرى سبق أن تعرض أصحابها لأحكام بالحبس والغرامات على خلفية مخالفات مرتبطة بالبناء، وبعضهم أمضى العقوبة بالفعل وتحمل تبعاتها القانونية.
لا يجوز النظر إلى جميع العقارات بعين واحدة
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية لا يجوز النظر إلى جميع العقارات بعين واحدة لأن لكل عقار وضعه القانوني ومستنداته وظروفه التي يجب أن تراجع قبل اتخاذ أي قرار بشأنه.
فالعقار الذي يحمل مستندات وتراخيص سليمة لا يمكن منطقيا أن يُعامل بنفس معاملة عقار محل مخالفة، كما أن العقار الذي خضع لإجراءات تصالح أو تقنين أو ما زالت أوضاعه محل بحث يجب أن تكون له دراسة مستقلة تكشف بدقة موقفه القانوني الحالي.
والأمر في النهاية ليس خلافا على قديم وحديث فقط، وإنما على الوضع القانوني والفني لكل عقار على حدة.
فليس كل مبنى حديث مخالفٌ بالضرورة، وليس كل مبنى قديم مستحق تلقائيا للتعويض، ولا يكفي عمر العقار وحده لتحديد مصيره، وإنما الفيصل يجب أن يكون في المستندات والخرائط وقرارات المشروع والموقف القانوني والحالة الفنية، وما تقرره الجهات المختصة وفقًا للقانون.
فماذا عن هذه العمارات الـ22 تقريبا؟!، وهل تم فحص ملفاتها القانونية؟!، وهل تم تحديد أيها مرخص وأيها غير مرخص؟!، وهل توجد عقارات تمت إجراءات التصالح بشأنها؟!، وهل توجد عقارات ما زالت ملفاتها أمام الجهات المختصة؟!، وهل توجد أحكام أو قرارات سابقة تخص بعض هذه العقارات؟!، وما أثرها على موقفها الحالي؟!
كل هذه الأسئلة يجب أن يُجاب عنها قبل أن تتحول عملية الحصر إلى نتيجة نهائية في ذهن المواطن.
العبرة بالموقف القانوني الحالي للعقار
والحديث عن بعض أصحاب العقارات الذين سبق أن تعرضوا للحبس والغرامات يحتاج أيضا إلى قدر كبير من الدقة، فقضاء العقوبة أو سداد الغرامة لا يعني تلقائيا أن المخالفة أصبحت مقننة أو أن العقار حصل على ترخيص، كما أن التصالح وتقنين الأوضاع لهما إجراءات وشروط وآثار قانونية محددة، ولهذا فإن العبرة بالموقف القانوني الحالي للعقار، وليس بمجرد ما حدث في الماضي.
وهنا لا نتحدث عن حماية مبنى مخالف لمجرد أنه قائم، ولا عن منح حصانة لأي عقار، وإنما نتحدث عن العدالة في تطبيق القانون، بحيث يعرف كل صاحب عقار مصير ملكيته وفق مستنداته ووضعه القانوني الحقيقي، وليس وفق الانطباعات أو التعميم.
ومن المهم هنا أن نسأل: هل سبق للدولة أن واجهت في مناطق أخرى حالات تطوير وحصر تضم عقارات وسكانا وأوضاعا قانونية متنوعة؟
الإجابة: نعم، وهناك نماذج معلنة يمكن النظر إليها للاستفادة من آلياتها، وإن كانت لكل منطقة طبيعتها وقرارها وظروفها الخاصة.
مثلث ماسبيرو
ومن أبرز هذه النماذج؛ مثلث ماسبيرو، حيث قامت محافظة القاهرة بحصر الملكيات، وطرحت على السكان أكثر من خيار عند تنفيذ مشروع التطوير، من بينها التعويض المالي والسكن البديل وخيار العودة إلى المنطقة بعد تطويرها.
كما تم إنشاء أبراج للسكن البديل لمن اختاروا العودة، وأعلنت المحافظة لاحقا تسكين المستحقين في هذه الأبراج.
وهي تجربة توضح أن تطوير المنطقة لا ينفصل عن تحديد حقوق السكان، ووضع آليات واضحة للتعامل معهم قبل الإخلاء أو الإزالة.
... وتجربة مدينة الأمل الجديدة
وهناك أيضا تجربة مدينة الأمل الجديدة المعروفة سابقا باسم “عزبة الهجانة”، حيث شملت أعمال الحصر 232 مبنى و1166 وحدة سكنية و224 محلا ومخزنا و23 قطعة أرض.
وأعلنت محافظة القاهرة أن التواصل مع المواطنين ومعرفة آرائهم ومطالبهم سبق بدء أعمال الهدم مع طرح مسارات تتعلق بالتعويض المالي أو العودة إلى المنطقة بعد التطوير، وهو ما يعكس أهمية الحصر كأداة لفهم الواقع وتحديد الحقوق قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ.
هذه التجارب لا تعني أن ما سيحدث في طرة يجب أن يكون نسخة من ماسبيرو أو مدينة الأمل، فلكل مشروع طبيعته ولكل منطقة قرارها ولكل عقار ملفه.
لكنها تؤكد أن هناك نماذج يمكن من خلالها أن يسبق القرار الواضح حصر دقيق ودراسة للملكية والإشغال وتحديد للحقوق وإعلان للبدائل أو التعويضات؛ حتى لا يجد المواطن نفسه أمام نتيجة لم يكن يعرف عنها شيئا.
ومن هنا تصبح المسألة في طرة أكثر إلحاحا؛ لأن الحديث عن نحو 22 عمارة تقريبا يعني عشرات الأسر، وربما مئات الأشخاص، ولكل أسرة حياة ومدارس وأعمال ومصادر دخل وارتباطات اجتماعية وصحية، وبالتالي فإن أي قرار يخص هذه العقارات يجب ألا ينظر إلى المبنى باعتباره كتلة خرسانية فقط بل إلى البشر الذين يعيشون داخله.
وإذا كانت هناك عمارات سليمة الأوراق فليعلن موقفها بوضوح، وإذا كانت هناك عمارات مخالفة فلتأخذ مسارها القانوني، وإذا كانت هناك عقارات تمت تسوية أوضاعها وفق الإجراءات القانونية فلتدرس مستنداتها، وإذا كانت هناك عقارات تمثل خطورة إنشائية فليكن ذلك ثابتا بتقرير هندسي واضح.
أما أن تختلط كل الحالات داخل سلة واحدة.. فهنا تبدأ المخاوف من الظلم.
والأهالي لا يطرحون هذا السؤال دفاعا عن المخالف، وإنما خوفا من أن يتساوى من استوفى الإجراءات القانونية مع من لم يستوفها أو أن يدفع أصحاب المواقف السليمة ثمن أخطاء آخرين..والمشكلة إذن ليست في الحصر.. المشكلة في ماذا سيبنى على الحصر.
وهل سيكون الحصر مجرد قاعدة بيانات لفهم الواقع على الأرض؟، أم أنه خطوة أولى لإجراءات أخرى، وهل ستتم مراجعة كل ملف عقاري على حدة قبل اتخاذ أي قرار؟، وهل ستكون هناك آلية واضحة لإثبات الملكية والإشغال والتراخيص والتصالح والأحكام السابقة؟
هذه الأسئلة لا يجب أن تظل حبيسة أحاديث الأهالي، بل ينبغي أن تكون جزءًا من أي شرح رسمي لأعمال الحصر؛ لأن المواطن الذي يفتح بيته أمام اللجنة يريد أن يعرف ببساطة ما الذي يتم حصره؟!، ولماذا؟!، وماذا سيحدث بعد ذلك؟!
وتزداد أهمية ذلك عندما نتحدث عن العمارات الحديثة تحديدا؛ فالمطلوب ليس استثناءها تلقائيا ولا إدخالها تلقائيا في أي إزالة وإنما تحديد موقفها القانوني والهندسي بدقة؛ فقد يكون المبنى مرخصا أو تمت تسوية أوضاعه أو تكون مخالفته ما زالت محل إجراءات أو تكون هناك أحكام وقرارات سابقة مرتبطة به وكل حالة لها تفاصيلها وآثارها القانونية.
الطريق الوحيد الذي يحقق العدالة
وهذا هو الطريق الوحيد الذي يمنع التعميم ويحقق العدالة.
والأهم أن أي مخطط تطوير لا ينبغي أن يبدأ فقط من سؤال: أي المباني سنزيل؟!، وإنما يجب أن يبدأ أيضا من سؤال: ما الوضع القانوني لكل مبنى؟!، ومن هم السكان الذين سيتأثرون وما حقوقهم؟!
لأن وراء كل عمارة عشرات الأسر، وربما مئات الأشخاص، ولكل أسرة أوراق وحياة ورزق وأطفال ومدارس ومرضى وكبار سن.
وإذا كانت طرة البلد تضم وفق تقديرات الأهالي نحو 8 إلى 10 آلاف نسمة، فإن التعامل مع المنطقة يجب أن يكون على قدر هذا الحجم الإنساني، لا كأنها مجرد مساحة على خريطة.
ومن هنا فإن تخوف الأهالي من وقوع الظلم على الأغلبية ليس تخوفا يمكن تجاهله، خصوصا إذا كانت هناك عقارات متعددة الأوضاع القانونية، ويحتاج كل منها إلى فحص مستقل.
العدالة لا تعني حماية المخالف، كما أنها لا تعني معاقبة الجميع بسبب وجود مخالفات.. العدالة تعني أن يعرف كل عقار وضعه، وأن يتحمل كل صاحب مسؤولية ما يخصه، وألا يدفع المواطن السليم ثمن خطأ لم يرتكبه
ولهذا فإن المطلوب من لجان الحصر والجهات المختصة هو الوضوح الكامل وما طبيعة الحصر وما معاييره وما حدود المنطقة وما موقف العمارات الحديثة وما موقف العقارات التي تحمل أوراقا سليمة وما مصير من سبق أن خضع لإجراءات أو أحكام أو تصالح أو تقنين؟
وإذا كانت الإجابة أن الحصر مجرد خطوة فنية لجمع البيانات، فليقل ذلك بوضوح، وإذا كانت هناك مرحلة أخرى ستأتي بعد انتهاء الحصر، فليعرف الأهالي ذلك أيضا.. فالناس لا تخاف من الحقيقة بقدر ما تخاف من أن تفاجأ بها.
وفي النهاية؛ طرة البلد لا تطلب استثناء أحد من القانون، ولا تطلب حماية مخالفة، وإنما تطلب شيئا واحدا؛ أن يُطبَّق القانون بعدالة، وأن يُنظر إلى كل عقار وأسرة وفق وضعها الحقيقي، وألا يتحول الحصر إلى مظلة واسعة يقع تحتها الصواب والخطأ معا.
فإذا كانت هناك عمارات مخالفة فلتأخذ مسارها القانوني، وإذا كانت هناك عمارات سليمة الأوراق فلتحفظ حقوق أصحابها، وإذا كانت هناك أوضاع قابلة للتصالح أو التقنين فلتبحث وفق القانون، وإذا كان هناك خطر إنشائي فليكن الحكم هندسيا واضحا.
أما أهالي طرة فحقهم أن يعرفوا كل ذلك قبل أن يتحول القلق إلى حقيقة، وقبل أن يقع ظلم لا يمكن إصلاحه بسهولة.. فالحصر يجب أن يكشف الحقيقة.. لا أن يصنع مظلمة جديدة!!
- تفسير رؤية الأعور في المنام وعلاقتها بسوء الحظ وسماع أخبار سيئة
- الزمالك يرفض عرض أهلي بني غازي لضم أحمد فتوح ويتمسك باستمرار اللاعب
- إيرلندا الشمالية والمجر يتعادلان سلبيا في دوري الأمم الأوروبية
- تأجيل محاكمة المحامية المتهمة بقتل والدتها إلى 2 أكتوبر لنظر إجراءات رد المحكمة
- انخفاض جديد بدرجات الحرارة وأمطار وشبورة، حالة الطقس اليوم الثلاثاء


















0 تعليق