منذ بدء أعمال الحصر داخل منطقة طرة البلد دخل الأهالي في حالة من القلق اليومي بعدما أصبحت لجان الحصر والتصوير وتسجيل بيانات المنازل والعقارات مشهدا يوميا أمام أعينهم بينما لا تزال الإجابة الواضحة غائبة عن السؤال الذي يعني لكل أسرة الكثير.. لماذا يتم الحصر.. وما مصير هذه البيوت بعد انتهائه؟
الحصر بالنسبة للجهة الإدارية قد يكون إجراء تمهيديا لحصر الواقع على الأرض لكن بالنسبة للمواطن الذي يقف أمام منزله ويرى من يقوم بتصويره وتسجيل بياناته فالمشهد مختلف تماما.
كل صورة لمنزل تفتح بابا من الأسئلة..هل البيت داخل نطاق المشروع.. هل سيبقى أم ستتم إزالته..هل سيظل صاحب المحل قادرا على ممارسة عمله.. ماذا عن المستأجر.. ماذا عن الأسرة التي لا تملك مسكنا آخر..وماذا عن قاطني الوحدات السكنية بدون ورق.. وماذا عن الأطفال والطلاب وكبار السن وأصحاب الظروف الخاصة
ولم يعد السؤال الذي يسيطر على البيوت هو هل هناك تطوير وإنما أصبح السؤال الأصعب ماذا بعد الحصر؟
هكذا أصبح الحصر حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية لأهالي طرة البلد.. رب أسرة يفكر في مستقبل أولاده.. وصاحب محل يخشى على مصدر رزقه.. وأم تتساءل ماذا ستفعل إذا اضطرت إلى ترك بيتها.. وشاب كان يخطط لحياته داخل المنطقة فأصبح لا يعرف هل يبني مستقبله هنا أم ينتظر ما ستسفر عنه الأيام.
المشكلة إذن ليست في الحصر وحده.. وإنما في غياب المعلومة المصاحبة له.. فمن حق المواطن أن يعرف لماذا يتم حصر منزله وما نطاق المشروع.. وهل توجد خريطة معتمدة تحدد العقارات الداخلة فيه وهل الحصر يعني بالضرورة الإزالة أم أنه مجرد إجراء لدراسة الوضع القائم؟
طرة البلد من المناطق التي دخلت مرحلة الحصر بينما لا تزال التفاصيل الكاملة عن سبب الحصر ووجهة الأرض بعده غير واضحة أمام المواطنين.. وفي مناطق أخرى شهدت أعمال تطوير أو إزالة كان المواطنون يتلقون معلومات عن طبيعة المشروعات وحدودها والجهات المسؤولة عنها بينما يشعر أهالي طرة بأنهم لا يملكون الصورة الكاملة حتى الآن.
وهذا الغموض يفتح باب التساؤلات.. لماذا طرة.. ولماذا الآن.. وما الهدف النهائي من أعمال الحصر؟
أسئلة لا ينبغي أن تظل معلقة لأن الطراوي عندما لا يجد المعلومة الرسمية يبحث عنها في أماكن أخرى وعندما تغيب الإجابة تتسع مساحة التكهنات وقد تتحول المخاوف إلى قناعات لا تستند بالضرورة إلى معلومات مؤكدة.
وطرة البلد ليست مجرد منطقة سكنية عادية فهي تقع في واحدة من أكثر المناطق تميزا على واجهة النيل وهو موقع تزداد قيمته كلما اتجهت الدولة إلى تطوير الواجهات النيلية وإعادة استغلال المواقع المتميزة.
فالأرض المطلة على النيل أصبحت محل اهتمام استثماري متزايد وهو ما يجعل الكشف عن حقيقة ما يخطط لطره البلد أمرا ضروريا ليس لزرع الشك وإنما لوضع الأمور في نصابها الصحيح فكلما كان الموقع أكثر تميزا أصبح من حق سكانه أن يعرفوا بوضوح.. ماذا سيحدث لأرضهم وبيوتهم ومن المستفيد من تطويرها وما مكان الأهالي في هذا المستقبل.
لماذا تخشى محافظة القاهرة إعلان الحقيقة كاملة
وهنا يطرح أهالي طرة البلد سؤالا مشروعا هل عدم الإعلان بوضوح عن طبيعة المشروع وأهدافه النهائية يرجع إلى خشية أن يؤدي الحديث عن الاستثمار إلى رفع سقف توقعات الأهالي بشأن التعويضات.. أم أن هناك بالفعل مشروعا عاما يستلزم أعمال الحصر والتطوير والإزالة ولم تتحدد بعد طبيعته الاستثمارية أو آليات تنفيذه.
فالأهالي لا يطلبون سوى معرفة الحقيقة..هل المنطقة داخلة في مشروع للمنفعة العامة؟ وما حدود هذا المشروع؟ ومن الجهة صاحبة القرار؟ وهل توجد مخططات معتمدة توضح ما سيقام على الأرض بعد أعمال الإزالة؟
والأهم من ذلك إذا كانت الأراضي ستذهب في النهاية إلى مشروع استثماري ضخم، فلماذا لا يتم الإعلان عن ذلك بشفافية منذ البداية؟ وإذا لم تكن هناك مشروعات استثمارية فما طبيعة المشروع العام الذي يجري على أساسه الحصر؟
إن الفارق كبير بين إزالة تتم لتنفيذ مشروع عام محدد المعالم وبين إزالة تسبق مشروعا استثماريا لم يعلن عنه بعد وفي الحالتين تظل الشفافية هي الطريق الوحيد لطمأنة الأهالي وقطع الطريق على الشائعات والتكهنات.
ومن بين هذه التساؤلات ما يثار حول مستقبل الأراضي المطلة على النيل خاصة مع تداول إشارات في بعض وسائل الإعلام الخارجية إلى فرص أو اهتمام استثماري مرتبط بالواجهة النيلية.
وهنا يجب أن نكون واضحين..لا نقول إن هناك مخططا لبيع أراضي طرة البلد لمستثمر ولا نملك مستندا يثبت ذلك ولا يجوز أن نحول مخاوف المواطنين إلى حقيقة صحفية.
لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع تجاهل السؤال الذي يطرحه الأهالي.. إذا كان هناك مشروع لتطوير المنطقة فما طبيعته ومن صاحب الولاية على الأرض وما الغرض منها بعد أعمال الحصر وهل توجد مشروعات استثمارية أو مخططات مستقبلية للواجهة النيلية وإذا كان هناك طرح استثماري فمتى وكيف سيتم وما علاقة ذلك بمنازل الأهالي.
أسئلة مشروعة والإجابة عنها لا تحتاج إلى جدل أو تكهنات وإنما إلى بيان رسمي واضح فالشفافية هنا ليست فقط حقا للمواطن وإنما وسيلة لحماية الجميع من الشائعات وسوء الفهم.
ولأن القضية ليست أرضا خالية يجب ألا يغيب الجانب الإنساني عن أي حديث عن التطوير فهنا بيوت لها تاريخ ومحال صغيرة يعيش منها أصحابها وأسر محدودة الدخل وعمال باليومية وكبار سن وأطفال اعتادوا مدارسهم وطرقهم وأصدقاءهم وأهالى ارتبطت حياتهم بالكامل بالمكان.. قد تكون الأرض في نظر الخرائط مجرد أرقام وحدود ومساحات لكنها بالنسبة لأصحابها عمر كامل.
وأي حديث عن إزالة أو نقل يجب أن يضع الإنسان أولا أين سيذهب وكيف سيعيش؟ وماذا عن مصدر رزقه؟ وماذا عن المستأجرين؟ وماذا عن أصحاب العقود المختلفة؟ وماذا عن الأنشطة التجارية الصغيرة؟ وهل سيكون هناك سكن بديل أم تعويض مالي فقط؟ وكيف ستراعى الحالات الاجتماعية والإنسانية المختلفة؟ كل هذه التفاصيل لا يمكن تركها للتخمين وظن السوء.
وأهالي طرة لا يقولون إنهم ضد التطوير ولا يطلبون وقف مشروعات تحسين القاهرة أو تطوير الواجهة النيلية بالعكس من حق الجميع أن يرى مناطق القاهرة في أفضل صورة لكن التطوير الحقيقي لا يبدأ بإخافة الناس وإنما بإفهامهم.
قولوا لهم ما المشروع وحدوده؟ ولماذا يتم الحصر؟ وما مصير البيوت وحقوقهم؟.. قولوا لهم بوضوح.. ما البيوت داخل خط المشروع أم خارجه؟
هذه الإجابة وحدها تختصر حالة كاملة من القلق فالطراوي يستطيع أن يتعامل مع الحقيقة مهما كانت صعبة عندما يعرفها ويعرف حقوقه وواجباته وخياراته، أما أن يظل واقفا أمام منزله يرى الحصر والتصوير ولا يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك فهنا يصبح الغموض نفسه عبئا على الناس.
ومن هنا تأتي المسؤولية الأكبر على الجهات المعنية أن تضع نهاية لحالة الالتباس وأن تخرج بالمعلومات الرسمية إلى الناس قبل أن تترك الشائعات تملأ الفراغ.
ومسؤولية النواب لا ينبغي أن تختزل في مشاهدة المشهد من بعيد فالعضوية النيابية ليست مجرد مقعد أو صفة وإنما مسؤولية تفرض أن يكون النائب حاضرا عندما يواجه المواطن سؤالا يتعلق ببيته ورزقه ومستقبل أسرته.
وفي طرة البلد يبدو السؤال أكثر إلحاحا إذا كان الأهالي يقفون أمام لجان الحصر لا يعرفون لماذا يتم الحصر ولا إلى أين ستنتهي الأمور فأين الصوت النيابي الذي يطلب الإيضاح ويبحث عن الحقيقة ويضع المسؤولين أمام أسئلة الناس ولماذا يرى المواطن نائبه يشاهد ما يحدث مثله بينما يشعر أنه ترك وحيدا في مواجهة المجهول..والمشهد مؤلم إلى حد أن لسان حال النواب يكاد يقول..واجهوا مصيركم بأنفسكم فلا أحد يملك أن يفعل لكم شيئا.
قد يكون هذا هو الإحساس الذي يفرض نفسه على الشارع وقد تكون لدى النواب مبررات أو تحركات لا يعرفها الأهالي لكن غياب التواصل في مثل هذه اللحظات يترك فراغا لا يملؤه إلا القلق والشائعات.
والمطلوب ليس معجزة ولا مواجهة مع الدولة وإنما كلمة واضحة وسؤال معلن وموقف نيابي يطمئن الناس ماذا يحدث ولماذا وما مصير بيوتنا وأرزاقنا فحين يتعلق الأمر بمصير آلاف المواطنين فإن الصمت يصبح في حد ذاته سؤالا كبيرا ينتظر إجابة.
ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف في الآراء إلى خصومة بين أبناء المنطقة أو إلى تبادل للاتهامات فطرة البلد في النهاية أهل واحد وما يحتاجه أهلها الآن هو التكاتف والهدوء والبحث عن الحقيقة من مصادرها الرسمية.
والشرطة في أي إجراءات تنفيذية دورها حماية المواطنين وحفظ الأمن وتنفيذ ما يصدر إليها من أوامر قانونية وليست طرفا في صناعة القرار ولذلك فإن السؤال يجب أن يوجه إلى الجهة صاحبة القرار والمشروع لا إلى من ينفذ الإجراءات في إطار اختصاصه.
وفي النهاية لا يطلب أهالي طرة البلد امتيازا خاصا إنهم يطلبون شيئا بسيطا جدا.. أن يعرفوا الحقيقة..لا يريدون أن يسمعوا مصير بيوتهم من شائعة ولا أن يعرفوا مستقبل أرضهم من منشور على مواقع التواصل ولا أن يظلوا أسرى علامات الاستفهام.
يريدون كلمة رسمية واضحة تطمئنهم أو تشرح لهم ما سيحدث وتحفظ في الوقت نفسه حق الدولة في التطوير وحق المواطن في المعرفة.. لأن وراء كل باب في طرة البلد إنسانا..وراء كل محل أسرة ووراء كل منزل ذكريات وعمر ورزق ووراء كل مواطن قلب يخاف على غده.
فإن كان هناك مشروع.. فليعلن. وإن كان هناك حصر تمهيدي.. فليشرح وإن كانت هناك إزالة.. فليعرف نطاقها وسببها وحقوق أصحابها.. وإن لم تكن هناك إزالة.. فلتصل الطمأنينة إلى الناس.
أما أن يبقى الجميع أمام سؤال واحد بلا إجابة.. ماذا بعد الحصر.. فهنا يكمن الجزء الأصعب والأكثر وجعا في الحكاية... فطرة البلد لا تقف ضد التطوير ولا ترفض أن تتغير منطقتها إلى الأفضل لكنها تريد أن تفهم قبل أن تطالب بأن ترحل تريد أن تعرف.. لماذا يجري الحصر وما الهدف منه.. وهل هناك إزالة بالفعل وما حدودها وما مصير البيوت وأصحابها ومصادر رزقهم ولصالح من ستكون الأرض إذا انتهى الأمر إلى الإزالة.. أسئلة بسيطة ومشروعة لكن غياب الإجابة عنها يفتح أبوابًا واسعة للقلق والتكهنات، ويجعل الصمت أكثر قسوة من أي قرار معلن.
والأكثر إثارة للتساؤل هو لماذا تخشى المحافظة إعلان الحقيقة كاملة لأهالي طرة البلد..هل لأن هناك مشروعا لم يعلن بعد أم لأن الصورة لم تكتمل أم أن ما يدور لا يزال مجرد حصر تمهيدا لشيء آخر.. لا أحد يملك الإجابة حتى الآن ولذلك يظل الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات بينما يدفع الأهالي وحدهم ثمن الانتظار والخوف.
كما تتجه حالة الغضب بصورة خاصة إلى النواب الذين ظهروا ثم غابوا وخرجوا من المشهد ولم يعودوا إليه في اللحظة التي كان المواطن ينتظر فيها صوتهم.
فالنائب الذي يبحث عنه المواطن في وقت الرخاء يبحث عنه أكثر في وقت الخوف.. وحين يصبح البيت مهددًا ومصدر الرزق مجهول المصير لا يكفي أن يكون النائب موجودا على الورق المواطن يريد أن يراه ويسمعه ويتحدث باسمه.
وفي النهاية لا تطلب طرة البلد المستحيل.. لا تطلب إيقاف التطوير ولا تقف في مواجهة الدولة ولا تريد أكثر من أن تعامل باعتبارها صاحبة حق في المعرفة.
قولوا للناس الحقيقة كاملة وواضحة وماذا بعد الحصر ولماذا جرى وإلى أين تتجه الأمور وما مصير بيوتهم وأرزاقهم.
فالحقيقة مهما كانت قاسية أرحم من الغموض والقرار مهما كان صعبا أهون من أن يعيش الإنسان أيامه وهو لا يعرف هل سيظل غدا في بيته أم سيبحث عن مكان آخر.
رسائل أخيرة
رجال الأمن: كل التحية والتقدير للتعامل الراقي مع أهالي طرة البلد والحرص على أمن المواطنين وسلامة الجميع وكذلك تأمين لجان الحصر.. أنتم في النهاية رجال يؤدون واجبهم وننتظر دائما أن تظل العلاقة بين رجل الأمن والمواطن عنوانها الاحترام والحماية.
محافظ القاهرة: طرة البلد تحتاج إلى نزولك بنفسك إلى أرض الواقع والاستماع إلى الأهالي وشرح الصورة كاملة لهم.. كلمة واحدة منك قد تبدد كثيرا من الخوف وتغلق أبوابا واسعة أمام الشائعات والتكهنات.
النائب وائل سعدة: أهل دائرتك ينتظرون منك تنفيذ وعودك والظهور بينهم في هذه اللحظة الصعبة.. جاء دورك لتكون وسط الطراوية تسمعهم وتطمئنهم وتنقل صوتهم فالنائب يعرف أكثر في الأوقات التي يحتاج فيها الناس إلى صوته.
النائب أكمل فاروق: الغياب الكامل عن المشهد يثير تساؤلات وقلق الأهالي.. والطراوية لا تنسى من يقف بجوارها وقت الشدة كما أنها تنتظر من ممثليها أن يكونوا قريبين منها عندما تضيق بها السبل.. الحضور الآن ليس رفاهية.. وإنما رسالة طمأنة يحتاجها الناس.
أهالي طرة البلد الطيبين: أنتم على الرأس والعين.. ومهما اشتدت الغمة حافظوا على بعضكم وعلى بلدكم وعلى هدوئكم ولا تجعلوا الخوف يفرقكم.. تكاتفكم قوتكم..والحقيقة حقكم والدعاء سلاحكم.. وحتى يزيل الله الغمة يظل الأمل موجودا.
وأخيرا: طرة البلد لا تريد أن تكون عقبة أمام المستقبل.. لكنها لا تريد أيضا أن يصبح مستقبلها غامضا بالنسبة لأهلها.
بالبلدي يا محافظة..طورها وحنا فيها..اللى جى مش أحسن من أهلها.


















0 تعليق