50 عاما في مهنة البحث عن المتاعب (2-6)

منذ 53 دقيقة

في الصحافة، قد يبدأ الإنسان باحثًا عن خبر، ثم يجد نفسه ذات يوم مسؤولًا عن الذين يبحثون عن الأخبار، وبين اللحظتين مسافة طويلة لا تقاس بعدد السنوات وحدها، وإنما بما تحمله من تجارب وقرارات واختبارات تكشف للإنسان نفسه قبل أن تكشفه للآخرين.

 

بعد رحلة طويلة في العمل الصحفي، انتقلت من مواقع التحرير إلى المسؤولية الإدارية، حتى أصبحت رئيسًا لمجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر عام 2009. لم تكن الرحلة وراء المناصب بقدر ما كانت رحلة وراء المهنة. وكنت دائمًا أكثر سعادة وأنا محرر، ثم رئيس قسم، ثم نائبًا لرئيس التحرير. 

أما عندما أصبحت رئيسًا لمجلس الإدارة، فاكتشفت أن المنصب، مهما بدا براقًا في عيون الناس، يحمل أعباء لا يراها الناس من الخارج: قرارات ومسؤوليات وحسابات ومصالح متشابكة، وأحيانًا قرارات تعرف أنها ضرورية وإن كانت ثقيلة على النفس.

 

تعلمت يومها درسًا ظل معي: كلما ارتفع الإنسان في سلم المناصب، اتسعت دائرة المسؤولية وضاق هامش الراحة. وكان اختياري رئيسًا للمؤسسة مفاجأة لي. لم أكن عضوًا في الحزب الوطني ولا في لجنة سياساته، لكنني علمت بعد ذلك أن الراحل صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى آنذاك، كان يتابع أدائي، خصوصًا ما يتعلق بالمساهمة في زيادة دخل المؤسسة ونجاح «كتاب الجمهورية»، الذي استطعت تحويله من خسارة إلى مكسب كبير.

 

وفوجئت ذات يوم باتصال منه. سألني عن تطوير المؤسسة، وكيف يمكن التعامل مع رؤساء تحرير يكبرونني سنًا، وإمكانية ضم جريدة الرأي إلى المؤسسة. ثم أنهى المكالمة مؤكدًا أن الأمر سري، وأن أعتبرها كأنها لم تحدث، لأن موضوع تعييني كان لا يزال معروضًا على الرئيس مبارك.

 

وبعدها صدر القرار، وأبلغني به مبكرًا الدكتور مفيد شهاب، رحمه الله. توليت المسؤولية، واستطاعت المؤسسة أن تحقق أرباحًا في النشاط الجاري خلال العامين اللذين توليت فيهما المسؤولية. لكن الأحداث الكبرى لا تستأذن أحدًا. جاءت يناير 2011 فتغير كل شيء. تبدلت الوجوه، واضطربت المؤسسات، وتصاعدت المطالبات بتغيير القيادات الصحفية التي عينها مبارك، وكنت واحدًا منها.

 

وفي اجتماع الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء آنذاك، مع القيادات الصحفية القومية والحزبية والخاصة، قلت أمام الجميع إنني تقدمت باستقالتي إلى رئيس المجلس العسكري ثلاث مرات، أنا والزميل عبد القادر شهيب، وكان الرد: ابقوا في مواقعكم، وهناك أربعة رؤساء تحرير فقط سيغادرون مواقعهم.

 

لكنني كنت قد اتخذت قراري. قلت للزملاء إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى دماء جديدة، وإننا نستطيع باستقالتنا أن نسهم في استقرار البلد. ساد الصمت، ولم يتقدم أحد بالاستقالة غيري أنا وعبد القادر شهيب. أما الزميل عبد الله كمال فقال بوضوح: «لن أستقيل، وإذا أرادوا أن يقيلوني فليُقيلوني». ومضت الأيام، وكانت استقالتنا تمهيدًا لإقالة بقية القيادات الصحفية التي كانت متمسكة بمواقعها.

 

ولو عاد بي الزمن، لاتخذت القرار نفسه مرة أخرى. ليس لأن الاستقالة كانت سهلة، وإنما لأنني كنت أؤمن أن المنصب ليس ملكًا لصاحبه، وأن هناك لحظات يصبح فيها التخلي عن الموقع فعل مسؤولية، وأن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يخدم المؤسسة أكثر عندما يفسح الطريق لغيره.

 

وحين أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، لا أرى سلسلة من المناصب بقدر ما أرى مجموعة من الدروس. أرى شابًا يستقل الأتوبيس إلى الوزارة بحثًا عن خبر، ويتعلم أن المعلومة لا تأتي إلى الصحفي وإنما يذهب الصحفي إليها. وأرى رجلًا يجلس خلف مكتب مسؤولية كبيرة، ويتعلم أن السلطة الحقيقية ليست في اللقب، وإنما في القدرة على تحمل تبعات القرار. وأرى قبل ذلك كله أن المهنة لا تمنح أسرارها لمن يبحث عن الطريق الأسهل.

 

قد تتغير أدوات الصحافة، وقد تختفي مطابع ويظهر عالم رقمي كامل، وقد يصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من أي وقت مضى، لكن جوهر المهنة لا يتغير: سؤال صادق، ومعلومة دقيقة، وعين ترى ما وراء الخبر، وضمير يعرف أن الكلمة مسؤولية.

 

وحين أتذكر نصف القرن الذي مضى، لا أتذكر المكاتب الكبيرة بقدر ما أتذكر الممرات وغرف الأخبار وضجيج المطابع ورائحة الورق وقلق اللحظات التي تسبق صدور العدد، وفرحة الصحفي عندما يرى اسمه تحت خبر يعرف أنه صنع فرقًا. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية ذاكرة العمر.

 

ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به أن الصحفي لا يصنعه المنصب، ولا عدد سنوات الخدمة، ولا شهرة المؤسسة التي يعمل فيها. يصنعه ما يتعلمه كل يوم، وما يرفض أن يتنازل عنه، وما يتركه وراءه من أثر في المهنة وفي زملائه وتلاميذه.

 

بدأت الرحلة بقلم في يد شاب يبحث عن خبر، ومضت عبر عشرات السنين والمواقع والمسؤوليات، لكنها لم تفقد جوهرها الأول: حب الصحافة. واليوم، بعد نصف قرن، أجد أن أجمل ما في هذه المهنة ليس أن يصل الإنسان إلى أعلى سلمها، وإنما أن يظل قادرًا على الشعور بفرحة الصحفي القديم، عندما يعود من الميدان وفي جيبه خبر يستحق أن يُنشر.

وربما لهذا لا أريد أن تكون هذه الحكاية مجرد استعادة للماضي، وإنما رسالة من جيل إلى جيل: قد تتغير التكنولوجيا، وتتبدل الصحف والمنصات، وتتسع سرعة العالم، لكن الصحفي الحقيقي يظل محتاجًا إلى الفضول نفسه، والشجاعة نفسها، والدقة نفسها، والضمير نفسه.

أما السؤال الذي يظل معلقًا في نهاية الرحلة، فليس إلى أين ذهبت الصحافة، وإنما: ماذا نريد أن يبقى منها في الأجيال الجديدة؟

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق