تكرر مشهد التدشين أكثر من مرة خلال زيارة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية للصعيد خلال الأيام الماضية، بين كنائس جرى تجديدها وأخرى استكملت تجهيزاتها، حتى أصبح الطقس واحدا من أبرز المشاهد الكنسية في الجولة التي استمرت سبعة أيام وشملت إيبارشيتي ملوي وأنصنا والأشمونين، وببا والفشن وسمسطا، إلى جانب عدد من الأديرة والمواقع القبطية.
وبحسب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، شملت الجولة تدشين ثلاث كنائس، إلى جانب افتتاح ووضع حجر أساس كنائس ومبان خدمية.
ماذا يعني التدشين في التقليد الأرثوذكسي؟
التدشين ليس مجرد افتتاح رسمي لكنيسة بعد بنائها أو ترميمها، وإنما طقس كنسي يتم خلاله تخصيص الكنيسة للعبادة، وتدشين مذابحها وأيقوناتها ومعموديتها بحسب ما تحتويه.
ولهذا وصف البابا تواضروس الثاني في أكثر من مناسبة يوم التدشين بأنه «يوم ميلاد الكنيسة»، وشبهه بشهادة الميلاد التي تثبت وجود الإنسان، إذ يكون للكنيسة بعد التدشين يوم محدد تتذكره وتحتفل به كل عام.
وتبدأ صلوات التدشين بصلاة الشكر، ثم المزامير وقراءات من الكتاب المقدس والأواشي، قبل الدخول في صلوات التدشين نفسها. وهنا يظهر واحد من أكثر أجزاء الطقس وضوحا للمصلين، حيث تتدرج مردات الشعب في ثلاث مراحل: «كيري ليسون»، ثم «آمين»، ثم «هلليلويا».
في المرحلة الأولى يكون المرد «كيري ليسون»، أي «يا رب ارحم». وهي مرحلة طلب الرحمة، إذ يشرح البابا تواضروس أن الإنسان عندما يقف أمام الله يبدأ بطلب رحمته.
ثم تأتي المرحلة الثانية، وفيها يرشم المذبح بعلامة الصليب دون استخدام زيت الميرون، ويكون مرد الشعب «آمين»، أي «استجب يا رب». وترتبط هذه المرحلة بالطلبات الخاصة بالمذبح ودوره في حياة الكنيسة وشعبها.
أما المرحلة الثالثة فهي لحظة صب زيت الميرون على المذبح وإتمام الرشومات الخاصة بالتدشين، ويذكر خلالها اسم المذبح ومكانه الكنسي والجغرافي، ويكون مرد الشعب «هلليلويا»، أي التهليل والفرح. وهنا تكتمل الصورة التي يشرحها البابا تواضروس: رحمة، ثم استجابة، ثم فرح.
هل يتوقف التدشين عند المذابح؟
ولا يتوقف التدشين عند المذابح، إذ يمكن أن يشمل المعمودية وأيقونة «حضن الآب» أو «البانطوكراتور»، إضافة إلى أيقونات الكنيسة وحامل الأيقونات. وفي إحدى صلوات التدشين التي ترأسها البابا تواضروس، جرى تدشين ثلاثة مذابح ومعمودية وأيقونة البانطوكراتور وبقية أيقونات الكنيسة.
وهذا المعنى ظهر عمليا خلال زيارة البابا للصعيد، ففي كاتدرائية مارمرقس بملوي، التي تعود إلى عام 1927 وخضعت لأعمال تجديد، شملت صلوات التدشين المذابح والأيقونات، ثم وقع البابا والأساقفة وثيقة التدشين قبل بدء القداس الإلهي.
وتكمن خصوصية الطقس أيضا في أنه ليس مناسبة تتكرر كل عام بالطريقة نفسها، فالتدشين يتم مرة واحدة في عمر الكنيسة، بينما يعود يوم التدشين نفسه كل عام باعتباره العيد المحلي للكنيسة. ومن هنا يصبح التاريخ المرتبط بالتدشين جزءا من ذاكرة المكان، تحكيه الكنيسة لأجيالها وتحتفل به سنويا.
وهكذا، فإن الكلمات التي يسمعها المصلون خلال التدشين ليست مجرد مردات متتابعة، وإنما تلخص مسار الطقس كله «كيري ليسون» طلبا للرحمة، و«آمين» طلبا للاستجابة، ثم «هلليلويا» تعبيرا عن الفرح، في يوم تعتبره الكنيسة شهادة ميلاد لمكان أصبح مكرسا للصلاة والعبادة.















0 تعليق