أكد المفكر الاستراتيجي د.مصطفى حجازي، المستشار السابق لرئيس الجمهورية للشؤون الاستراتيجية والسياسية، أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تفرض إعادة النظر في المفهوم التقليدي للسيادة، موضحًا أن السيطرة على الحدود الجغرافية لم تعد وحدها كافية لممارسة السيادة، في ظل انتقال جوانب مؤثرة من القوة إلى الفضاء الرقمي وما وصفه بالمساحة الأثيرية.
تطور تكنولوجي فائق
وقال حجازي إن العالم يمر بمرحلة فارقة تتجاوز مجرد التطور التكنولوجي، إذ تفرض التحولات الراهنة على الإنسانية الانتقال من أنماط معرفية سابقة إلى مرحلة جديدة أطلق عليها «عصر الحكمة»، تقوم على قدرة الإنسان على التفكير والتمحيص وعدم التسليم بالأفكار أو الأنماط المفروضة عليه لمجرد صدورها عن مرجعية دينية أو علمية أو فلسفية.
جاء ذلك خلال مشاركته في الصالون الفكري لمعهد التخطيط القومي للعام الأكاديمي 2026/2027، الذي عقد تحت عنوان «السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي» لمناقشة انعكاسات التطورات التكنولوجية المتسارعة على مفهوم السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي.
من عصر المعلوماتية إلى عصر الحكمة
أوضح حجازي أن الأنساق المعرفية التي مرت بها البشرية تختلف في المدة الزمنية التي تستغرقها؛ فعصر الزراعة امتد آلاف السنين، بينما استمر عصر الصناعة مئات السنين، ثم جاء عصر المعلوماتية الذي امتد لعشرات السنين، معتبرًا أن الفترة بين عامي 2010 و2011 مثلت نقطة فارقة في الانتقال نحو مرحلة جديدة من تطور الوعي الإنساني.
وأشار إلى أن تلك المرحلة تزامنت مع الربيع العربي وحركة «احتلوا وول ستريت»، التي امتدت احتجاجاتها إلى مدن رئيسية تمثل مراكز للرأسمالية العالمية، ورفعت شعارات مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، لافتًا إلى أن هذه التحركات عكست تساؤلات أوسع بشأن التفاوت الاجتماعي والنظام الاقتصادي السائد.
وأضاف أن هذه التحولات كانت من إرهاصات ما يسميه «عصر الحكمة»، الذي أصبح فيه الإنسان أقل قابلية للخضوع للتأطير الفكري أو فرض نمط محدد من التفكير عليه، وأكثر ميلًا إلى البحث عن الحقيقة والحكمة من مصادر متعددة، سواء كانت علمية أو فلسفية أو غيرها.
أساس التحول المعرفي
لفت حجازي إلى أن الفكرة التي عمل عليها خلال تلك المرحلة تمثلت في إعادة أنسنة الإنسانية، بما يعني تخلي الإنسان بإرادته عن الأفكار التي تُفرض عليه باعتبارها حقائق نهائية، والاحتكام بدلًا من ذلك إلى التمحيص والتفكير والتركيز قبل قبول أي تصور أو حكم.
وشدد على أن الانتقال من نسق معرفي إلى آخر لا يقتصر على اكتشاف أدوات أو تقنيات جديدة، بل يرتبط بتغير الطريقة التي تنظر بها البشرية إلى الحقيقة وما وراء الواقع المشاهد، موضحًا أن التطورات العلمية دربت الإنسان تدريجيًا على إدراك وجود ظواهر وقوى لا يمكن رؤيتها مباشرة، لكنها تؤثر في العالم المادي.
واستشهد بالثورتين الصناعيتين الأولى والثانية، موضحًا أن استخدام البخار في تشغيل الآلات، ثم الكهرباء، عزز قدرة الإنسان على التعامل مع قوى لا ترى بالعين المجردة، وهو ما يراه مدخلًا لفهم طبيعة التحول المعرفي الذي تفرضه التقنيات الحديثة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف السيادة
وفي حديثه عن السيادة، أوضح حجازي أن المفهوم التقليدي المرتبط بمعاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر يقوم على سلطة الدولة داخل إقليمها الجغرافي وحقها في احتكار استخدام القوة، معتبرًا أن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي تطرح تحديات تتجاوز هذا التصور المرتبط بالحدود المادية.
وقال إن الحدود لم تعد تمثل الإطار الوحيد الذي تُمارس من خلاله السيادة، إذ باتت جوانب من القوة والتأثير تنتقل إلى فضاءات رقمية لا تخضع بالضرورة للحدود الجغرافية بالطريقة التقليدية، محذرًا من أن استمرار التعامل مع السيادة وفق المفاهيم القديمة قد يضع الدول والمجتمعات أمام واقع تضطر فيه إلى التخلي عن أجزاء من قدرتها على التحكم في شؤونها.
وأكد أن هذه الإشكالية لا تخص مصر أو المنطقة العربية وحدهما، بل تمتد إلى مختلف دول العالم، في ظل التحولات التي تفرضها التكنولوجيا على طبيعة القوة وحدود السيطرة والاستقلال.
وأشار حجازي إلى أن فهم التحولات الراهنة يتطلب التمييز بين الواقع المشاهد والحقيقة التي تكمن وراءه، موضحًا أن تطور المعرفة الإنسانية ارتبط دائمًا بالسعي إلى تجاوز المظاهر الظاهرة والبحث عما وراءها، وليس الاكتفاء بما تراه الحواس.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يضع البشرية أمام مرحلة تتطلب تعميق قدرتها على فهم هذه المستويات المختلفة، خاصة مع تزايد تأثير الفضاء الرقمي في الحياة اليومية ومفاهيم القوة والسيادة.
كما أشار إلى أن الشعور السائد تجاه التحولات الراهنة يجمع بين الدهشة والعجز؛ فالإنسان يواجه تطورات متسارعة يصعب الإحاطة بجميع أبعادها، بالتزامن مع تساؤلات بشأن موقعه منها، وما الذي ينبغي فعله للتعامل معها.
- مصطفى حجازي: 50 مليارًا حجم مراكز المعلومات العملاقة في عصر الذكاء الاصطناعي
- أستاذ هندسة بيئية: الدول النامية مهددة بـ"فجوة جديدة" في عصر الذكاء الاصطناعي
- معهد التخطيط القومي يناقش "السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي" في صالونه الفكري
- قلق أوروبي من هيمنة أمريكا على الذكاء الاصطناعي بالتزامن مع "G7" و"فيفاتك"
- مصطفى حجازي: الذكاء الاصطناعي شهد قفزات "فاقت التوقعات" بعد 2023






