قبل أن يكتب الإنسان جملة على شاشة ويطلب من الذكاء الاصطناعي ترجمتها إلى لغة أخرى، كان عليه أن يعتمد على أشخاص يعرفون أكثر من لغة، وعلى أجيال من الكتبة والوسطاء الذين وقفوا بين شعوب لا تتحدث اللغة نفسها، ومن مصر القديمة وبلاد الرافدين، مرورًا ببغداد في العصر العباسي، وصولًا إلى المترجمين المعاصرين والذكاء الاصطناعي، قطعت الترجمة رحلة طويلة تغيرت خلالها الأدوات، بينما ظل الهدف واحدًا وهو نقل المعنى من عالم لغوي إلى آخر.
ساحورع.. ملك عبر بمصر إلى العالم
يأخذنا أحد أقدم الخيوط المصرية في تاريخ الترجمة إلى عصر الملك ساحورع، أحد ملوك الأسرة الخامسة في الدولة القديمة، فقد ارتبط عهده باتصالات ورحلات إلى أراضٍ أجنبية، من بينها بلاد بونت، وتشير دراسة حديثة في تاريخ الترجمة الشفوية إلى أن لقبًا مصريًا قديمًا مرتبطًا بالوساطة مع الأجانب ظهر منذ عهد ساحورع واستمر استخدامه قرونًا.
بلاد الرافدين.. نصوص بلغتين قبل آلاف السنين
ومن مصر إلى بلاد الرافدين، تصبح الصورة أكثر وضوحًا في ما يتعلق بالترجمة المكتوبة، فقد كانت المنطقة موطنًا لأقدم نظام كتابة معروف، وشهدت منذ الألف الثالث قبل الميلاد وجود السومرية والأكدية إلى جانب لغات أخرى.
وتشير دراسة أكاديمية عن النصوص المسمارية ثنائية اللغة إلى أن نصوص سومرية كانت تُكتب ومعها ترجمات إلى الأكدية، وأن هذا التقليد بدأ في حدود عام 2400 قبل الميلاد واستمر لقرون طويلة، لذا أصبحت الترجمة وسيلة لحفظ المعرفة ونقلها بين جماعات تتحدث لغات مختلفة.
حجر رشيد.. ثلاث كتابات تكشف لغة غامضة
بعد آلاف السنين، جاء حجر رشيد ليقدم واحدًا من أشهر الأمثلة على قوة النصوص متعددة اللغات.
يرجع الحجر إلى عام 196 قبل الميلاد، ويحمل مرسومًا واحدًا كُتب بثلاثة خطوط : الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة، وكان وجود النص اليوناني إلى جانب النصين المصريين هو المفتاح الذي ساعد الباحثين في القرن التاسع عشر على فك رموز الهيروغليفية.
وفي عام 1822 أعلن الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون نتائج أبحاثه التي أسست لفهم بنية الكتابة المصرية القديمة، مستفيدًا من أعمال سابقة، ومن معرفته باللغة القبطية، ومن المقارنة بين النصوص.
وهكذا لم يكن حجر رشيد "ترجمة" بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنه قدم مثالًا تاريخيًا بالغ الأهمية على الطريقة التي يمكن بها للغات المتجاورة أن تساعد الإنسان في فك لغة أخرى ضاعت مفاتيحها.
بغداد.. ازدهار الترجمة وتطورها
في العصر العباسي، انتقلت الترجمة إلى مرحلة مختلفة، فمع ازدهار بغداد كمركز علمي، نشطت حركة واسعة لترجمة أعمال من اليونانية والسريانية وغيرها إلى العربية، وشملت مجالات مثل الطب والفلسفة والعلوم.
ولم تكن الحركة مجرد نقل حرفي للنصوص، فقد سبقتها ورافقتها تقاليد ترجمة من اليونانية إلى السريانية، ثم من السريانية واليونانية إلى العربية. وكان من أبرز المترجمين حنين بن إسحاق، الذي ارتبط اسمه بترجمة مؤلفات طبية وفلسفية وعلمية مهمة.
من القلم إلى الآلة.. هل تغيرت مهمة المترجم؟
مع اختراع الطباعة واتساع حركة النشر والتعليم والتبادل بين الدول، أصبحت الترجمة جزءًا أساسيًا من انتقال الأدب والأفكار والعلوم بين المجتمعات، ثم جاءت الترجمة الآلية في العصر الحديث لتضيف مرحلة جديدة إلى هذه الرحلة.
واليوم يقف ChatGPT وأدوات الذكاء الاصطناعي في أحدث حلقات هذا التطور، والتي يمكنها التعامل مع النصوص بلغات مختلفة، لترجمتها وإعادة صياغتها.
لكن الانتقال من لغة إلى أخرى لا يزال أكثر تعقيدًا من استبدال كلمة بأخرى، فالمعنى يرتبط بالسياق والثقافة والنبرة وما قد تحمله الكلمة من دلالات لا تظهر في القاموس.
- جلال الدين الرومي.. لمحات من حياة صاحب الطريقة المولوية
- خالد دومة يكتب: ظنَّ أنَّه نجا
- إقليم بونتلاند: قراصنة صوماليون قتلوا 5 من طاقم ناقلة مخطوفة قبل إنقاذها
- ذاكرة اليوم.. اتفاق نهاية الحرب الأهلية اللبنانية وميلاد جلال الدين الرومى
- مجلس الدفاع الوطني اليمني يدعو المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين إلى الابتعاد عن المعسكرات ومخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ والمواقع العسكرية















0 تعليق