خالد دومة يكتب: حارس الأرواح (4)

منذ 47 دقيقة

عدت إلى عامل الشاي في اليوم التالي، وكان كل شيء قد تغير تمامًا. أخذت على نفسي عهدًا أن أذهب إلى هذا المكان، وأظل فيه لساعات، أحاول أن أنقذ هؤلاء الذين أنهكتهم الحياة، وأصابت قلوبهم باليأس، وأرادوا أن يفارقوها بعدما أظلمت قلوبهم وفقدوا كل أمل.

جلست بجوار العامل كل يوم ساعة أو ساعتين، حتى يذهب إلى بيته بعد انتهاء العمل. تصاحبنا، ثم صارت بيني وبينه صداقة ومودة. حكى لي كل شيء عنه، حتى أدق أسراره، وحكيت له أنا أيضًا، لكنني لم أرغب في أن يعرف لماذا أجلس بعد أن يمضي.
كنت أقول له إنني أستمتع بالجو في المساء، وبمشاهدة المياه من فوق الجسر. وكنت أحيانًا آخذ سنارة للصيد، وأدّعي أنني أمارس هواية قديمة. لم أكن يومًا من هواة صيد السمك، لكنني بعد أسابيع وأشهر أحببتها؛ لأنها تعطي الآخرين انطباعًا بأنني أصيد، وتخفي عنهم السبب الحقيقي لوجودي فوق الجسر.
وقد وفيت بعهدي.
أنقذت الكثيرين، وكانوا يتجاوبون معي. كنت أعرف، كما أعرف نفسي، ملامحهم المضطربة، وقلقهم، وشرود أذهانهم، ونظراتهم الطويلة إلى الماء.
كنت أقترب منهم بهدوء، كما اقترب مني ذلك العجوز. ربما أسألهم إن كانوا يحتاجون إلى مساعدة في أمر ما، كقراءة خطاب أو حمل شيء، ثم أترك الحديث يأخذ طريقه.
كنت أعددت في داخلي خطابًا من قلب محب إلى قلب يائس، أنفخ فيه شيئًا من روح الحياة والأمل. نتحدث عن معنى الحياة وقيمتها، وعن المرضى الذين يحاربون من أجل البقاء؛ أولئك الذين أصابهم السرطان، أو فقدوا بعض أعضائهم، ومع ذلك لم يفقدوا الأمل في الحياة، ويعرفون كيف يواجهون أخطارها بلا سلاح إلا سلاح اليقين والحب.
كان بعضهم يستجيب بعد حوار قصير، وبعضهم كان يرهقني.
وأذكر تلك الفتاة.
كانت تقف وعيناها تلمعان ببريق غريب، كأن نارًا تشع من حدقتيها. كنت أمسك بعصا أتوكأ عليها، فاقتربت منها وقلت:
— هل أساعدك في اجتياز الجسر؟
نظرت إليّ شزرًا باحتقار، وقالت:
— ما الذي يجعلك تتمسك بالحياة وأنت شاب وقد أصابك العجز؟ ألا تلقي بنفسك من فوق هذا الجسر، أو ترمي بها تحت سيارة، فتستريح من معاناتك وآلامك؟
قالت ذلك ونفسها طافحة باليأس والنفور من الحياة.
قلت لها:
— وهل من المفترض أن تعطيني الحياة كل شيء حتى أرضى عنها وأحبها؟
سكتت.
قلت:
— وكيف تكون الحياة إذن إذا أعطتنا كل ما نرغب فيه ونحتاج إليه؟ أليست قيمتها في أننا نقاوم ما يؤلمنا ونتمسك بما نستطيع أن نصنعه منها؟
نظرت إليّ، ولم تجب.
قلت:
— إنسان يستسلم للهزائم والانكسارات، فتقضي عليه الحياة، وآخر يقاوم ويقف وينتزع منها ما يجعله حيًا، يشعر ويحس. ربما تكون قيمة الحياة فيما نصنعه نحن منها، لا فيما تمنحنا إياه.
قالت:
— ولماذا أنا؟
قلت:
— ولم لا تكونين أنتِ؟ ربما كانت هذه المحنة هي أصعب ما واجهك، وربما كنتِ أقوى مما تظنين.
قالت:
— أشعر بخذلان شديد.
قلت:
— ولعل الخذلان هو الأرض الصلبة التي تبدأ فوقها حياة جديدة.
فرت دمعتان من عينيها.
سألتني:
— من أنت؟
قلت:
— يأس قديم انتصر على محنته.
قالت:
— أتُرى أستطيع أن أنتصر عليه؟
قلت:
— ولماذا لا؟
أمسكت بيدي وقالت:
— هلمّ، ساعدني على اجتياز الجسر.
ابتسمت.
ومشينا خطوات.
ثم سلكت طريقي، ووقفت بعيدًا أنتظر.
رأيتها تكفكف دموعها، وتنظر إلى الماء، ثم تبتسم. وبعد لحظات غابت في زحمة الناس.
وانطلقت مسرورًا إلى البيت، كما كنت دائمًا بعد انتصار جديد في حربي ضد الموت.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق