تمتد الهوية المصرية عبر آلاف السنين، ولم تظل حاضرة في الكتب والمخطوطات وحدها، بل تركت آثارها واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي العمارة التي ما زالت بعض شواهدها قائمة حتى اليوم، شاهدة على عادات المصريين وطرق معيشتهم وتكوين مجتمعهم عبر عصور مختلفة، فالبيت المصري لم يكن مجرد مكان للسكن، وإنما كان انعكاسًا لطبيعة المجتمع، يكشف من خلال تصميمه وتقسيم مساحاته عن العادات الاجتماعية، وخصوصية الأسرة، وطرق استقبال الضيوف، وحتى تفاصيل الحياة اليومية.
وفي الوقت الذي يناقش فيه مؤتمر الهوية الوطنية، المقام حاليًا في مكتبة الإسكندرية، ملامح الهوية المصرية وسبل الحفاظ عليها، تبرز العمارة التاريخية باعتبارها واحدة من أهم الشواهد المادية التي تحفظ جانبًا من هذه الهوية، إذ لا تزال مجموعة من البيوت والقصور الأثرية قائمة حتى اليوم، شاهدة على مراحل مختلفة من تاريخ المجتمع المصري، وتحمل في تفاصيلها المعمارية ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية التي عاشها المصريون عبر العصور، من خلال تصميماتها، وتقسيماتها الداخلية، ووظائف مساحاتها المختلفة.
بيت الهراوي
يقع في نهاية زقاق العيني المتفرع من شارع الأزهر، أنشأه الحاج أحمد بن يوسف الصيرفي عام 1144هـ/ 1731م، رغم أن المنزل يُنسب حتى اليوم إلى آخر من تملكه وهو عبد الرحمن بك الهراوي، الذي كان حكيماً بمدرسة الطب في قصر العيني في أواخر العصر العثماني، وذلك طبقاً لوثيقة مؤرخة بعام 1213هـ/ 1798م.
يتألف المنزل من ثلاث وحدات معمارية يتوسطها فناء مكشوف، وهو مبني من ثلاثة طوابق، ويضم مقعداً صيفياً، مندرة (قاعة استقبال الضيوف من الرجال - السلاملك) يتوسطها فسقية مياه رخامية لتلطيف درجة حرارة الجو، طاحونة للغلال، إسطبل للخيول، مطابخ لطهي الطعام، قاعة حرملك (قاعة خاصة بالنساء)، وعدد من الحجرات.

بيت الهراوي
بيت السناري
هو أحد القصور الفاخرة التي كانت تبنى للأثرياء في ذلك الوقت، بناه "إبراهيم كتخدا السناري" عام 1209 هـ/1794م، وإبراهيم السناري هو سوداني الأصل جاء إلى القاهرة من مدينة دنقلة السودانية، ويشير الجبرتي إلى أنه جاء للوجه البحري وعمل بواباً بمدينة المنصورة ودخل في معية الأغنياء والقادة وتعلم اللغة التركية وقرر بناء دار له بالناصرية بحي السيدة زينب، وصرف عليها أموالاً وصار له حاشيه وجواري واتباع وظل كذلك حتي يوم 17 جمادي الاخرة 1206 هـ حيث ُقتل في الإسكندرية مع غيره من الأمراء الذي كان حسين باشا القبطان العثماني قد طلبهم للحضور إليه فلما حضروا قتلهم جميعا ودفنوا بالإسكندرية.
وكان "بيت السناري" أحد ثلاثة بيوت تمت مصادرتهم من قِبل الفرنسيين عام 1798 وذلك لتسكين أعضاء لجنة العلوم والفنونِ، التي جاءت ببعثة نابليون العسكرية لعمل دراسة منهجية للبلاد.
فكر نابليون بونابرت كثيرا في إنشاء مجمع علمي بمصروكان الهدف المعلن هو العمل على تقدم العلوم في مصر، ودراسة أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلا عن إبداء الرأي حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وهذه الأسباب هي الظاهرة للعيان، أما الهدف الأساسي لذلك هو دراسة مصر دراسة تفصيلية لبحث كيفية استغلالها لصالح المحتل الفرنسي، وأصدر المجمع العلمي بعد هذه الدراسة كتاب "وصف مصر".
وكان المجمع المصري يضم أربعة أقسام هى: قسم الرياضيات، وقسم الطبيعة، وقسم الاقتصاد السياسي، وقسم الآداب والفنون الجميلة. وبمغادرة الفرنسيين مصر عام 1801م توقف نشاط المعهد لانتهاء سبب وجوده.
أصدرت وزارة الثقافة المصرية قرارًا بتسليم منزل السناري لمكتبة الإسكندرية وقامت مكتبة الإسكندرية بتجهيز "بيت السناري" ليكون مركزا ثقافيا كبيرا وبيتا ً للعلوم والثقافة والفنون، ويهدف هذا المشروع إلى إحياء المجمع العلمي المصري القديم الذي أسسه نابليون بونابرت في هذا المنزل، حيث أنجز فيه مائتي عالم فرنسي موسوعة "وصف مصر" الشهيرة، والتي أهديت لمكتبة الإسكندرية نسختها الأصلية.

بيت السناري
بيت الست وسيلة
يرجع تاريخ إنشائه إلى العصر العثماني على يد الشقيقين عبد الحق ولطفي محمد الكناني عام 1074هـ/ 1664م، وكانت الست وسيلة خاتون آخر من سكنه منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي.
يطُل مدخل المنزل على زقاق الست وسيلة، ويؤدي إلى فناء مكشوف يحيط به مجموعة من العناصر المعمارية، يحتوي الطابق الأرضي للمنزل على مجموعة من الغرف لتخزين الغلال الخاصة بأهل البيت وبئر ماء لقضاء خدمات المنزل، كما يجاوره مدخل يُفضي إلى القاعة الخاصة بالضيوف من الرجال (السلاملك).

بيت الست وسيلة
بيت زينب خاتون
أنشأته الأميرة ﺸﻘﺭﺍﺀ ﻫﺎﻨﻡ حفيدة السلطان المملوكي الناصر حسن بن قلاوون، خلال العصر المملوكي الجركسي، يقع المنزل في عطفة الأزهري المتفرعة من شارع الشيخ محمد عبده بمنطقة الأزهر، وتوالت عليه الإصلاحات والتجديدات منذ إنشائه عام 873هـ/ 1486م وحتى عام 1125هـ/ 1713م، ويُنسب إلى السيدة زينب خاتون آخر من سكنه، وهي زوجة الأمير الشريف حمزة الخربوطلي الذي اشتراه لها وسماه باسمها. ويعتبر المنزل نموذجًا للعمارة المملوكية، فالمدخل صُمم على الطراز المنكسر بحيث لا يمكن للضيف رؤية من بالداخل.

منزل زينب خاتون
بيت السحيمي
يقع في حارة الدرب الأصفر المتفرعة من شارع المعز بمنطقة الجمالية، ويُعد من أجمل البيوت الأثرية بالقاهرة، إذ يحتوي على عدة مباني تطل على فناء واسع، كما يحتوي على حديقة خلابة تطل عليها مجموعة من المشربيات الخشبية الرائعة، ويحتوي كذلك على مقعد كبير، وقاعات استقبال فريدة من نوعها مجهزة بأثاث يمثل روح العصر الذي بُني فيه.
أنشأه الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي عام 1058هـ/ 1648م، وأنشأ القسم الثاني منه الحاج إسماعيل جلبي عام 1211هـ/ 1797م وتم دمجه مع القسم الأول حيث أصبحا بيتاً واحداً سُمى ببيت السحيمي نسبة لآخر من سكنه وهو الشيخ أمين السحيمي، من كبار علماء الأزهر وشيخ رواق الأتراك بجامع الأزهر في العصر العثماني. وفي عام 1349هـ/ 1931م باع ورثة السحيمي هذا البيت إلى لجنة حفظ الآثار العربية بمبلغ ستة آلاف من الجنيهات، من أهم العناصر الموجودة بالبيت غرفة القاشاني، كرسي الولادة، الحمام، عدة آبار توفر المياه للبيت، ساقية، طاحونة، ومجموعة من الأواني الفخارية والحجرية لحفظ الحبوب.

بيت السحيمي












0 تعليق