هل تستطيع دار نشر نقل عقد مؤلف إلى دار أخرى دون موافقته؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يثير انتقال الكتب من دار نشر إلى أخرى، سواء تحت مسمى التوزيع أو الحصول على حقوق الإصدارات أو انتقال عقود المؤلفين، سؤالًا قانونيًا مهمًا: هل يملك الناشر أن ينقل عقد المؤلف إلى ناشر آخر دون الرجوع إليه؟

الإجابة وفق القانون المصرى تحتاج إلى التفرقة بين أمور تبدو متشابهة فى سوق النشر، لكنها مختلفة قانونيًا: توزيع النسخ المطبوعة بالفعل، والتنازل عن بعض الحقوق، ونقل عقد النشر نفسه، وإعادة طبع الكتاب.

ويحكم المسألة أساسًا القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية، وفق آخر تعديلاته، إلى جانب أحكام القانون المدنى المصرى.

والنصوص الحالية تمنح المؤلف حماية خاصة عند التصرف فى حقوق استغلال مصنفه، وتقرر أن ما لم يتنازل عنه المؤلف صراحة يظل ملكًا له،  وقد ظل نص المادة 149 المنظم للتصرف فى الحقوق المالية للمؤلف قائمًا، بينما كان تعديل عام 2020 فى الكتاب الثالث متعلقًا بالمادة 185 وليس بهذه القاعدة.

المؤلف هو صاحب الحق الأصلى فى استغلال كتابه

تقرر المادة 147 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية أن المؤلف وخلفه العام يتمتعان بالحق الاستئثارى فى الترخيص أو المنع بالنسبة إلى صور استغلال المصنف، ومن بينها النسخ والنشر والترجمة والإتاحة للجمهور وغيرها من وسائل الاستغلال، أى أن الأصل أن سلطة استغلال الكتاب تبدأ من المؤلف، ثم يحصل الناشر على ما يسمح له به العقد.

وهنا تأتى المادة 149 باعتبارها من أهم المواد فى عقود النشر، فهى تجيز للمؤلف أن ينقل كل حقوقه المالية أو بعضها إلى الغير، لكنها تشترط أن يكون التصرف مكتوبًا، وأن يحدد بالتفصيل الحق الذى ينتقل، ومداه، والغرض منه، ومدة الاستغلال ومكانه.

والأهم أن القانون يقرر أن المؤلف يظل مالكًا لكل حق لم يتنازل عنه صراحة، وأن السماح باستغلال حق معين لا يعنى تلقائيًا السماح باستغلال حق مالى آخر.
وهذا يعنى مثلًا أن منح دار نشر حق طباعة الكتاب ونشره فى مصر لمدة محددة لا يمنحها تلقائيًا حقوق الترجمة أو النسخة الإلكترونية أو تحويله إلى عمل درامى، إلا إذا شمل العقد هذه الحقوق صراحة.

العقد شريعة المتعاقدين

لا يقف الأمر عند قانون الملكية الفكرية، فالمادة 147 من القانون المدنى المصرى تقرر قاعدة أساسية هى أن العقد شريعة المتعاقدين، ولا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التى يقررها القانون.

كما تلزم المادة 148 بتنفيذ العقد وفقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع حسن النية. وأكدت محكمة النقض فى أحكامها أن الإرادة المشتركة للمتعاقدين هى التى تحكم العلاقة، وأن أحد الطرفين لا يستطيع بمفرده إعادة صياغة الاتفاق الذى أبرماه.

وقد طبقت محكمة القاهرة الاقتصادية المبدأ نفسه فى قضية متعلقة بحقوق مؤلف، وجمعت فى حكمها بين المادة 147 من القانون المدنى والمادة 149 من قانون الملكية الفكرية، مؤكدة أهمية العقد المكتوب والحقوق المحددة فيه.

هل يمكن نقل عقد النشر نفسه إلى دار أخرى؟

هنا يجب التمييز بدقة، إذا كان المقصود أن تقول دار النشر الأولى لدار ثانية، أنت الآن تحلين محلى بالكامل فى العقد مع المؤلف، وستصبح لك حقوقى وعليك التزاماتى تجاهه، فالأمر لا يساوى مجرد بيع كمية من الكتب.

عقد النشر ينشئ حقوقًا والتزامات متبادلة: الناشر قد يكون ملتزمًا بالطباعة والتوزيع وتقديم الحسابات ودفع نسبة المؤلف واحترام مدة العقد وشروط إعادة الطبع، والمؤلف يكون ملتزمًا بمنح الناشر حقوقًا محددة.

ولهذا فإن إحلال ناشر جديد محل الناشر الأصلى فى مجمل العلاقة التعاقدية لا يمكن اعتباره مجرد "حوالة حق".

فالقانون المدنى يفرق بين حوالة الحق وحوالة الدين. المادة 303 تجيز للدائن، فى الأصل، إحالة حق مالى له إلى الغير دون رضا المدين ما لم يمنع القانون أو العقد أو طبيعة الالتزام ذلك. أما المادة 316 فتقرر أن انتقال الدين إلى شخص آخر لا يكون نافذًا فى مواجهة الدائن إلا إذا أقره.

وبالتالي، عندما ينتقل عقد كامل بما يتضمنه من حقوق والتزامات من ناشر إلى آخر، فالمسألة أوسع من مجرد حوالة مبلغ مالى، ويصبح موقف المؤلف ومضمون عقده عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاهله.

إذن هل موافقة المؤلف ضرورية دائمًا؟

ليس صحيحًا قانونيًا أن نقول إن كل تعامل بين دار النشر ودار أخرى يحتاج حتمًا إلى توقيع جديد من المؤلف، كما ليس صحيحًا أن نقول إن الناشر يستطيع نقل عقد المؤلف إلى أى شخص يشاء دون الرجوع إليه.

الحكم يتوقف أولًا على نص العقد الأصلى.

فإذا تضمن عقد المؤلف بندًا صريحًا يجيز للناشر التنازل عن حقوق معينة أو إسناد التوزيع إلى طرف ثالث أو الترخيص من الباطن وفق حدود محددة، فإن هذا النص يصبح جزءًا من الاتفاق الذى وافق عليه المؤلف.

أما إذا لم يوجد مثل هذا النص، ثم أرادت دار النشر إحلال دار أخرى محلها فى العقد بكامل حقوقه والتزاماته، فلا يكفى مجرد اتفاق الدارين بين بعضهما للقول تلقائيًا إن المؤلف أصبح طرفًا مع الدار الجديدة بالشروط نفسها.

والفصل النهائى فى نزاع بعينه يتطلب الاطلاع على نص عقد المؤلف نفسه؛ لأن المادة 149 تجعل نطاق ما تنازل عنه المؤلف صراحة أمرًا حاسمًا.

توزيع النسخ الموجودة ليس هو نقل حقوق النشر

وهذه أهم نقطة فى القضية كلها، قد توجد فى مخازن دار نشر آلاف النسخ من كتب سبق طبعها بصورة مشروعة أثناء سريان عقود المؤلفين. فإذا تعاقدت الدار مع موزع جديد لتوصيل هذه النسخ الموجودة بالفعل إلى المكتبات، فذلك لا يعنى بالضرورة أن حقوق النشر أو إعادة الطبع انتقلت إلى الموزع.
بل إن المادة 147 نفسها تقرر حكمًا يتعلق بتداول النسخ بعد طرح صاحب الحق للمصنف فى السوق أو السماح بذلك.

ومن ثم يوجد فارق قانونى كبير بين قول:
"حصلت الدار على حق توزيع النسخ الموجودة من كتب دار أخرى"
وبين قول:
"انتقلت إلى الدار عقود المؤلفين وحقوق نشر الكتب وإعادة طباعتها".
الأول قد يكون اتفاق توزيع تجارى لا ينقل للموزع حق إعادة إنتاج الكتاب.
أما الثانى فيدخل مباشرة فى نطاق حقوق المؤلف والعقود والحقوق التى سبق أن منحها المؤلف للناشر.

امتلاك النسخ لا يعنى امتلاك حق إعادة طباعتها

وهذا المبدأ تؤكده أيضًا المادة 152 من قانون حماية حقوق الملكية الفكرية بطريقة واضحة فى شأن الأصل المادى للمصنف؛ فالتصرف فى النسخة المادية الأصلية لا يعنى بذاته انتقال الحقوق المالية للمؤلف.

والفكرة القانونية مهمة فى سوق الكتب: ملكية الورق والنسخ المطبوعة شيء، وملكية حق استنساخ الكتاب وطباعة طبعة جديدة شيء آخر.
فلو حصلت دار جديدة على عشرة آلاف نسخة مطبوعة بصورة قانونية، فإن حصولها على هذه النسخ لا يمنحها تلقائيًا حق تشغيل المطبعة وإنتاج عشرة آلاف نسخة جديدة.

إعادة الطبع تحتاج إلى وجود حق يسمح بذلك ومستمد بصورة صحيحة من صاحب الحق، وفى الحدود الزمنية والمكانية والموضوعية التى يحددها العقد.
ولا تستطيع الدار الجديدة الحصول على حقوق أكثر مما كانت لدى الدار الأولى

هناك قاعدة عملية مهمة أيضًا: إذا كان المؤلف قد منح الناشر الأول حقًا محدودًا، فلا يمكن للناشر أن يمنح غيره حقًا أوسع مما حصل عليه هو.
فإذا كان العقد مثلًا يمنح الناشر حق النشر الورقى لمدة خمس سنوات داخل مصر، فلا يتحول هذا الحق بمجرد اتفاق بين ناشرين إلى حق دائم يشمل العالم أو الكتاب الإلكترونى والترجمة.

لأن المادة 149 تحسم الأمر: المؤلف يظل مالكًا لكل ما لم يتنازل عنه صراحة.
وأكد القضاء المصرى كذلك أن استغلال المصنف ماليًا حق للمؤلف، وأن غيره لا يباشر هذا الحق دون إذن سابق فى الحدود التى انتقلت إليه.

الحقوق الأدبية لا تنتقل أصلًا

وفوق كل ما سبق توجد حقوق لا يستطيع المؤلف نفسه بيعها أو التنازل عنها، فالمادة 143 تمنحه حقوقًا أدبية دائمة، منها نسبة المصنف إليه ومنع التشويه أو التحريف الذى يضر به، بينما تجعل المادة 145 أى تصرف يتضمن التنازل عن هذه الحقوق باطلًا.

ومن ثم، حتى انتقال بعض حقوق الاستغلال المالى إلى ناشر لا يجعل هذا الناشر «مالكًا للمؤلف» أو للمصنف بكل ما يتعلق به.

ماذا يجب فحصه فى أى قضية بين مؤلف ودار نشر؟

قبل إصدار حكم بشأن صحة انتقال كتاب أو مجموعة إصدارات من دار إلى أخرى، يجب الاطلاع على العقد الأصلى لكل مؤلف، والبحث تحديدًا عن: نوع الحقوق التى منحها، مدة العقد، المنطقة الجغرافية، عدد الطبعات، حق إعادة الطبع، حق التوزيع، النص على الحصرية من عدمه، وجود بند يسمح بالتنازل للغير أو الترخيص من الباطن، وطبيعة التعامل مع النسخ المتبقية بعد انتهاء العقد.

وبعد ذلك يجب تحديد ما الذى انتقل إلى الدار الجديدة فعلًا: مخزون الكتب فقط، أم حق توزيعه، أم حقوق النشر، أم عقود المؤلفين نفسها؟
فهذه أربع مسائل مختلفة قانونيًا، ولا يكفى استخدام تعبير إعلامى عام مثل «حصلت الدار على حقوق جميع الإصدارات» للحكم على الوضع القانونى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق