في وضح النهار.. كان تراس فيلا الحاج شكري يبدو من بعيد كمحراب صوفي.. محاطًا بزهور الياسمين والستائر البيضاء تتطاير مع الهواء، تمامًا كصورة الحاج شكري أمام أهل بلدته.
لحية ناصعة البياض نزلت على صدره بوقار.. وشعر أشيب منسق بعناية، وثوب أبيض لا تشوبه شائبة. كان يُلقب برجل الصلح، الذي إذا نطق خيّم الصمت إجلالًا لفضيلته وتقواه.
لكن مع غياب الشمس، كان هذا التراس يتحول إلى المحرَّم الأكبر، حيث فرض الحاج على المكان عزلة تامة، وحظر على أي فرد من أسرته الصعود إليه.
في المساء تتحول الإضاءة لتصبح أقرب إلى الحمرة.. تختفي السبحة، وتظهر زجاجات البيرة المثلجة، وتتصاعد أدخنة الحشيش الزرقاء لتخنق رائحة الياسمين.
هناك شلة من أصدقاء سهرة الأنس، الذين اشترى الحاج صحبتهم بماله، واستقطبهم بطعامه وشرابه ومخدراته.
رشف الحاج شكري رشفة من كأسه المخصوص، ونفث دخان سيجارته المحشوة، وبدأ فقرته المفضلة بالتفاخر بعلاقاته النسائية:
يا رجالة، النسوان دول زي العصافير.. بكلمتين مني يدخلوا القفص.
قالها ضاحكًا وهو يداعب لحيته البيضاء:
الرجالة بيبوسوا إيدي ويدعولي بطول العمر بالنهار.. والنسوان تموت بس لو بصيت لواحدة فيهم.. الستينات دي مجرد رقم.. أنا في الشقاوة ابن عشرين سنة.
كان الحاج المتصابي يتفاخر بفحولته الزائفة، وندماؤه يصفقون له نفاقًا، متلذذين بشرابه وطعامه.
نسي الحاج شكري، وهو متصدر جلسته مرتديًا الملابس الحريرية الخفيفة.. متخليًا عن جلبابه الأبيض ووقاره المصطنع، ولحيته التي يمسح عليها صباحًا وهو يحل نزاعات البلدة، أن النفاق جدار مائل، والأصوات التي تعلو بالضحك وسط دخان الحشيش الكثيف لا تبقى دائمًا حبيسة الجدران.
في الزاوية المعتمة من التراس كان يقف محروس.. عينان ترصدان، وأذن تسمع وتسجل.. يجمع ما استطاع من حطب، في انتظار اللحظة التي سيشعل فيها المحرقة لالتهام هذا الوقار الزائف.
آآآآآه يا راسي..
قالها الحاج شكري مطلقًا تنهيدة حارة بعد نفس سيجارة غطّى سماء التراس بالدخان:
طول النهار وسط الجلسات والمشاكل.. رجالة بشنبات تهز الأرض واقفين قدامي زي التلاميذ قدام الناظر.
المعلم شديد ضاحكًا:
طول عمرك ميزان البلد يا حاج.. ميزان بالنهار في الحقوق.. وفي الليل تتمرجح الغزلان على كتفك.. بس بالحق إيه حكاية الشبح الجديد اللي كنت بتلمّح له الصبح؟!
الأستاذ مدحت المحامي يميل بظهره، ونظراته يملؤها النفاق:
سيبك يا معلم شديد.. الحاج ده مدرسة.. أنا محامي بعرف ألف القوانين، بس الحاج بيلف قلوب الحريم بكلمتين.. قولي يا حاج.. المحروسة الجديدة وقعت ولا لسه بتعافر؟!
الحاج المتصابي يعدل لحيته بزهو ونرجسية:
تعافر مين يا مدحت؟!.. مع شكري؟!.. اسمع يا سيدي.. عارفين البت فاطمة مرات الواد ياسر اللي شغال في الجبل.. جارة الواد محروس.
اعتدل المعلم شديد في جلسته، ووضع زجاجة البيرة من يده:
يا ليلة سودا يا حاج شكري.. فاطمة؟.. دي البلد كلها بتتحاكى بأدبها.. الحكاية دي لو اتكشفت البلد هتخربها على راسك.
الحاج شكري يضحك بقهقهة:
حكاية إيه اللي تتعرف؟.. البت جاتلي واقعة في عرضي، أديها قرشين تعالج ابنها بيهم، وجوزها الحزين ليه شهر ما بعتلهاش فلوس.. قلتلها: عيوني، بس تجيني المزرعة اللي في العزبة، وأنا هديكي الفلوس اللي إنتِ عاوزاها.. وقلتلها هستناكي يوم الخميس.. ليلة فرح ابن الحاج عباس.. البلد كلها هتكون ملهية في الفرح والعشاء والسهرة.
في الركن المعتم وقف محروس يسجل على تليفونه حديث الحاج شكري بالتفصيل.
فجأة انتبه شكري لوقوف محروس، فالتفت إليه بعصبية:
إنت واقف ليه زي الصنم كده؟.. غور هات المزة من المطبخ.
رد محروس ناظرًا إلى الأرض وبصوت خاضع مطيع:
حاضر يا عم الحاج.. ربنا يخليك لينا.. ده إحنا عايشين في خيرك.
لم يغمض جفن محروس طوال الليل، يفكر في طريقة يفضح بها الوجه الآخر لهذا العجوز المتصابي.. ومع ساعات النهار الأولى توجّه إلى أرض العمدة عبد الرحيم ليقص عليه الحكاية بعيدًا عن أعين الخفر والمترددين على الدوار.
العمدة عبد الرحيم:
خلص يا محروس، ليك ساعة بتلف وتدور وتقولي سر خطير وخراب بيوت.. اخلص وانطق.
محروس، خافضًا صوته بخوف مصطنع:
يا جناب العمدة.. أنا راجل غلبان.. شايل هم البلد وشرفها وسمعة نسوانها.. الحاج شكري اللي البلد كلها فاكراه ولي وتقِي، عامل سطح فيلته لسهرات الأنس، وشرب الحشيش والخمرة مش بتقطع.
العمدة صارخًا:
اخرس.. قطع لسانك.. إنت اتجننت في عقلك؟.. جاي ترمي بلاك على أسيادك؟
محروس يرفع هاتفه في وجه العمدة بثقة:
أنا مش جايب حاجة من عندي يا حضرة العمدة.. اتفضل اسمع بنفسك الولي التقي، وهو سكران وطاير راسه إمبارح، كان بيقول إيه على البت فاطمة مرات ياسر الطحاوي، جيراننا في الشارع.
محروس ضغط على زر تشغيل مسجل الصوت، ورفعه إلى أذن العمدة عبد الرحيم.
تصلبت ملامح وجه العمدة بعد سماعه صوت شكري وحديثه عن مغامراته مع نساء القرية.. اختفت ملامح الوقار، وحل محلها غضب مرعب.. صوته أصبح من شدة الغضب يشبه فحيح الأفعى:
القذر السافل.. بيستعبط رجالة البلد وبيشهّر بنسوانها.
استغل محروس عاصفة الغضب وصب الزيت على النار:
مش بس كده يا عمدتنا.. ده بيقول إن رجالة البلد دي كلها مغفلين، وبيجيبهم تحت رجليه وقت ما يحب، ويدوس على رقابهم بفلوسه.. أنا مقدرتش أتحمل الكلام ده.. وجيتلك إنت كبير البلد، وهتعرف تجيب حق الغلابة دول وتوقف الفاجر ده عند حده.
احمر وجه العمدة من هول ما سمعت أذناه، وصرخ في محروس:
تليفونك ده هيفضل معايا، وأقسم بالله لو مخلوق شم خبر بالكلام ده، ليكون قبرك محفور قبل الليل ما ييجي.
محروس تعلو وجهه ابتسامة خبيثة:
أخس عليك يا عمدتنا.. أنا عملت اللي يخلص ضميري.. البلد دي ليها كبير يحرس عرض وشرف أهلها.
العمدة عبد الرحيم اتصل برئيس المباحث ليعرض عليه تفاصيل ما توافر لديه من معلومات.
على الفور، تم استدعاء فاطمة وطلب منها رئيس المباحث تحرير محضر تتهم فيه الحاج شكري بمساومتها على نفسها، ومن ثم بدء تنفيذ خطة الإيقاع بشكري.
أرسلت فاطمة رسالة من هاتفها تخبره بموافقتها على عرضه بالذهاب إلى المزرعة، وتطلب منه تجهيز مستلزمات السهرة، مع إحضار النقود التي وعدها بها.
رد شكري على رسالة فاطمة قائلًا:
إنتِ تؤمري يا قمر.. كله تحت رجليكي الحلوين.
كان محروس عينَي العمدة عبد الرحيم داخل فيلا الحاج شكري.. مهمته كانت التأكد من عدم شك شكري في الأمر، ومتابعة خطواته حتى مغادرته الفيلا بسيارته المملوءة بزجاجات الخمر وقطع الحشيش، لزوم السهرة الموعودة.
قبل الموعد المحدد بساعة، تحركت قوة سرية بقيادة معاون المباحث، بصحبة العمدة عبد الرحيم، وتمركزوا بالقرب من المزرعة في سكون تام حتى لا يثيروا أي شك لدى شكري.
المشهد الأخير..
موسيقى هادئة..
شموع مضاءة داخل غرفة بستائر حمراء.. مجهزة بكل لوازم السهرات الماجنة.. حشيش خام على الطاولة.. سجائر محشوة.. زجاجات الخمور مختلفة الأصناف.
الحاج شكري يتمدد على الأريكة مرتديًا بيجامة حريرية حمراء، كعريس شاب ينتظر الدخول بعروسه.. ينظر إلى الساعة بلهفة.. في انتظار قدوم فريسته.
فجأة..
بمممممب..
باب الغرفة الخشبي يتحطم.
الحاج يقفز من مكانه من شدة الفزع.. الكأس يسقط من يده.. والسيجارة تحرق السجادة، ويصرخ:
إنتوا مين؟!.. إيه ده؟!.. إنتوا عارفين أنا مين؟!
هنا يظهر العمدة، يخطو داخل الغرفة بخطوات ثقيلة.. ناظرًا إلى شكري بنظرات تحمل من الغيظ والقرف الكثير:
خسارة دقنك البيضاء.. النهاردة كفتك طبت في الوحل.
معاون المباحث يضع الكلابشات في يد شكري.. رجاله يجمعون الأحراز المضبوطة من حشيش وخمور:
امشي قدامي.. محضر فاطمة، والتسجيل اللي بصوتك اللي بتفضح فيه نفسك، والمخدرات اللي اتحرزت دي، تضمن تخليك تقضي الباقي من عمرك وراء الحديد.
ركب شكري البوكس ذليلًا، مكبلًا بالحديد.. بينما وقف محروس يراقب المشهد من بعيد، والابتسامة الشامتة تعلو وجهه.


















0 تعليق