هل يواجه المُجلد الفاخر خطر الاختفاء العاجل لصالح الكتب الورقية الخفيفة وكتاب الجيب الأرخص ثمنًا؟ هذا السؤال فجّر معركة ثقافية وجدلاً واسعاً بين القراء والكُتّاب، بعد دعوات صحفية متزايدة تطالب بالتخلي تماماً عن الطبعات الفاخرة ذات الغلاف المقوى السميك، باعتبارها عبئاً ثقيلاً، ومزعجة أثناء القراءة، وباهظة الثمن بشكل مبالغ فيه ولا يتماشى مع الأوضاع الاقتصادية الحالية.
الجدل بدأ بمقال للكاتب "لاري رايان" نشرته صحفية "جارديان" دعا فيه إلى إعلان وفاة "المجلدات" والاعتماد كلياً على الكتب الورقية المرنة، لكن الرد جاء سريعاً وحاسماً من جماهير القراء الذين بدأوا بالدفاع عن "وقار وجاذبية" المجلد الفاخر، كاشفين عن أبعاد نفسية واجتماعية غريبة وعميقة في علاقة القارئ المعاصر بالكتاب المطبوع.
لغة الأرقام ضد "أناقة الأرفف" وطول العمر
واعترف المدافعون عن الكتب الورقية بأن أسعار المجلدات الفاخرة في سوق النشر العالمي أصبحت "فلكية"، حيث يتجاوز سعر بعض المجلدات الحديثة حاجز الـ 35 جنيهاً إسترلينياً، فضلاً عن أنها غير مريحة للقراءة خارج المنزل، ويمثل التنقل بها في وسائل المواصلات أو السفر عبئاً بدنياً كبيراً.
ورغم وجاهة هذه الحجج الاقتصادية والعملية، يرى عشاق المجلدات أنها ليست مجرد أوراق تُقرأ، بل هي "استثمار ثقافي يعيش العمر كله".
وفي هذا السياق، يقول أحد القراء في العقد الثامن من عمره "المجلدات تمتلك المتانة والقدرة على التحمل التي تحتاجها المكتبات لتعيش الكتب طويلاً وتتوارثها الأجيال، وبصفتي مسناً، أنا أقدر بشدة الخط الكبير الواضح والمريح للعين الذي تمتاز به الطبعات المجلدة الفاخرة مقارنة بالكتب الورقية الصغيرة التي يصعب ملاحقة كلماتها المتزاحمة".
"البرستيج الثقافي".. كيف يحدد غلاف الكتاب شخصيتك؟
اتخذ الدفاع طابعاً فلسفياً وساخراً من بعض القراء، حيث وصف أحدهم الكتاب الورقي العادي بأنه "يبدو وكأنه يعتذر عن وجوده، وينحني ظهره وتتمزق أوراقه تحت أقل ضغط existential"، بينما المجلد الفاخر هو "إعلان عن النوايا ورمز للوجاهة والثقافة الرفيعة".
وأضاف قارئ آخر متهكمًا أن "المجلد الفاخر يشجعك على الجلوس مستقيماً بجوار النافذة مع كوب من الشاي، ويوحي لكل من يرى مكتبتك المنزلية بأنك قارئ رصين قد تقرأ للأديب الروسي تولستوي يوماً ما.. أما الكتاب الورقي الخفيف، فيوحي بأنك اشتريته على عجل من المطار لتسلية الوقت أثناء سفرك في رحلة صيفية ثم تتركه على مقعد الطائرة، باختصار فالمجلدات هي كتب للحياة والتاريخ، أما الكتب الورقية فهي مجرد تسلية لرحلة العودة إلى المنزل".
صمود أمام الطلاب.. والكتب مثل البشر
من جانبهم، أكد أكاديميون وعشاق لروايات الخيال العلمي والملحميات الطويلة أن الكتب الورقية لا تملك "القدرة على الصمود"، فالطبعات المجلدة تعيش لعقود طويلة من الاستخدام الشاق، حتى لو تم حشرها في حقائب الظهر أو إعارتها للطلاب والباحثين بشكل متكرر.
وخفف قراء آخرون من حدة المعركة بتشبيه بليغ قالوا فيه "الكتب مثل البشر، المكتبات العامة تقدم لنا معارف سطحية أشبه بالعابرين في حياتنا، لكن عندما نتوقع علاقة أعمق وأقوى مع كتاب معين نريد إعادة قراءته مراراً والرجوع إليه كمرجع أساسي، فإن الكتاب الورقي لا يملك المقومات الكافية للصمود، وتتحول أوراقه سريعا للاصفرار والتهتك، وهنا يصبح المجلد الفاخر ضرورة لا غنى عنها".
وتبقى المعركة مستمرة بين "عملية واقتصادية" الكتاب الورقي المرن، و"برستيج وعمر" المجلد الفاخر، ليبقى السؤال الحقيقي لكل قارئ هل تشتري الكتاب لتستهلكه في رحلة عابرة، أم لتقتنيه كإرث يبقى للأبد على رفك؟














0 تعليق