تواجه المكتبات العامة في الولايات المتحدة أزمة متصاعدة غير مسبوقة دفعتها إلى حافة الانهيار، وذلك بفعل موجة شرسة من التدخلات السياسية، والمضايقات، والرقابة الأيديولوجية، وفق ما كشفه تقرير حديث صدر عن منظمة PEN America المعنية بالدفاع عن حرية التعبير.
وأوضح التقرير أن اتساع نطاق الرقابة في المكتبات العامة يرفع الستار عن واقع معقد، حيث تحولت المكتبات من "ملاذات آمنة للقراءة" إلى ساحات معارك سياسية بين التيارات الليبرالية والمحافظة في المجتمع الأمريكي.
الرقابة تطال "كتب الأطفال"
لم تعد معركة حظر الكتب تقتصر على أروقة المدارس، بل امتدت لتشمل فضاءات المعرفة العامة، حيث يشير التقرير المدعوم ببيانات من جمعية المكتبات الأمريكية (ALA) إلى أن 51% من محاولات حظر الكتب باتت تستهدف المكتبات العامة مباشرة.
ورصدت المنظمة تتبع ما يقرب من 23 ألف حالة حظر للكتب منذ عام 2021 وحتى الآن، كما وصل الحظر الى مقاطعة "لانو" بولاية تكساس حيث تم منع كتب الأطفال الفكاهية والقصص التي تتناول مرحلة البلوغ، تحت ضغط من بعض مجموعات أولياء الأمور.
ولم يتوقف الأمر عند سحب الكتب، بل رصد التقرير اعتداءات لفظية وجسدية ضد أمناء المكتبات، فضلاً عن تهديدات بوجود قنابل واحتجاجات عنيفة أدت إلى إلغاء فعاليات مخصصة للأطفال في ولايات مثل نيويورك وماساتشوستس
الإطاحة بالديمقراطية وتعيين "مراقبين سياسيين"
الوجه الأخطر للأزمة يكمن في تقويض استقلالية إدارة المكتبات، ففي ولاية تينيسي، تم تعيين الناشطة المحافظة ولاعبة السباحة السابقة "رايلي جاينز" في مجلس إدارة مكتبة مقاطعة "سومنر"، لتبدأ فوراً حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي واصفة بعض الكتب بـ "القذارة"، ومهاجمة زملائها بدعوى تجاهل القوانين المناهضة لما سمته "أيديولوجيا النوع الاجتماعي اليسارية.
كما سارعت ولايات مثل "أيداهو" و"ألاباما" إلى تشريع قوانين تمنح المجالس البلدية والمسؤولين السياسيين الحق في تعيين وفصل مديري المكتبات وأعضاء مجالسها دون إبداء أسباب، بعد أن كانت تلك الصلاحية تاريخياً بيد مجالس مستقلة ومنتخبة ديمقراطياً.
وفي المقابل، تعرض بعض أمناء المكتبات للفصل التعسفي لمجرد رفضهم الانصياع لقوائم المنع العشوائية، مثلما حدث مع أمينة المكتبة "سوزيت بيكر" في تكساس.
صرخة تحذير ومقاومة مجتمعية مضادة
علقت "كاسي ميهان"، مديرة مشروع الحرية في القراءة لدى PEN America، قائلة: "حين تتحول المكتبات إلى أهداف سياسية، فإن المجتمع بأسره يعاني، حيث تمتد العواقب للمؤلفين الذين تُرفع كتبهم من الرفوف، وللقراء الذين يُحرمون من حق الوصول إلى القصص والمعلومات".
ومع ذلك، يختتم التقرير الذى نشرته صحيفة الجارديان ببصيص أمل، إذ يشهد المجتمع الأمريكي حراكاً مضاداً وتنظيماً أهلياً للدفاع عن المكتبات وأمناء المعرفة.
وقد تجسد هذا الرد العكسي بوضوح في نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة بولاية فلوريدا، حيث خسر عدد كبير من مرشحي الحركات المحافظة المتشددة مثل جماعة "أمهات من أجل الحرية" (Moms for Liberty) بخسائر فادحة، وفقدت الجماعة أغلبيتها في بعض المجالس التعليمية، مما يعكس رغبة شعبية عارمة في كبح جماح التسييس الثقافي وحماية حرية القراءة.









0 تعليق