لم تكن المدن المصرية في الذاكرة الشعبية مجرد تجمعات سكنية نشأت بفعل عوامل سياسية أو اقتصادية، وإنما أحاطت بها على مدى قرون حكايات وأساطير حاولت تفسير نشأتها وأصول أسمائها، فاختلط التاريخ بالرواية الشعبية، وظهر عدد من القصص التي نسبت تأسيس المدن إلى شخصيات أسطورية أو دينية أو إلى أحداث خارقة.
وقد انتقلت هذه الحكايات عبر كتب التراث والمؤرخين العرب والرحالة، لتصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بالمدن المصرية.
القاهرة.. طائر الصدف الذي حدد موعد البناء
تتصل أشهر أساطير تأسيس القاهرة بحكاية بناء العاصمة الفاطمية الجديدة على يد جوهر الصقلي عام 969 ميلادية.
وتروي الأسطورة أن المنجمين استعانوا بالتنجيم لتحديد اللحظة المناسبة لبدء البناء، ووضعوا حبالًا وأجراسًا على أعمدة أقيمت حول الموقع، على أن تبدأ عملية الحفر فور دق الأجراس في اللحظة التي يشير فيها الطالع إلى الوقت السعيد.
لكن المفارقة أن طائرًا وقف بالصدفة على أحد الحبال، فاهتزت الحبال ودقت الأجراس جميعها في وقت واحد، فاعتقد القائمون على البناء أن الطالع السعيد قد حان، وبدأوا الحفر وبناء المدينة.
ومن هذه الرواية الشعبية ارتبط تأسيس القاهرة بحكاية أخرى عن جوهر الصقلي، إذ ذاع المثل المعروف: «اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني»، في إشارة إلى رواية تقول إن جوهر كان يعمل في صناعة الحلوى قبل صعوده إلى مكانته السياسية والعسكرية.
بيصر.. الأب الأسطوري للمدن المصرية
ومن أغرب الروايات التي نقلها الرحالة العثماني أوليا جلبي في كتابه «سياحتنامة»، قصة شخصية أسطورية تدعى بيصر، تنسب إليها مجموعة من المدن المصرية.
وبحسب الرواية، كان أبناء بيصر هم الذين تولوا بناء عدد من المدن وتقاسموا مهمة تأسيسها، فتحولت أسماء المدن في الحكاية إلى أسماء شخصيات نسبت إليها عملية البناء.
فمن بين هذه الروايات أن رشيد بنى مدينة رشيد، بينما بنى دمياط مدينة دمياط، كما تنسب الحكاية تأسيس بني سويف إلى شخص يدعى «سيفه».
ولا تتوقف شجرة النسب الأسطورية عند هذه المدن، إذ تنسب الحكايات أسماء عدد من مدن الصعيد، ومنها جرجا وقنا وقوص وأسنا وأسوان، إلى أشخاص من النسل نفسه، قيل إنهم وضعوا اللبنات الأولى لهذه المدن.
مدن ارتبط تأسيسها بالدين والأساطير
وظهرت روايات أخرى حاولت تفسير نشأة بعض المدن المصرية من خلال ربطها بشخصيات دينية أو أسطورية، فقد نسبت بعض الكتابات العربية والإسلامية تأسيس مدن مثل الإسكندرية إلى شخصيات وردت في القصص الديني، مثل ذي القرنين والنبي سليمان، أو إلى شخصيات أسطورية مثل شداد بن عاد.
وهذه الروايات لا تقدم بالضرورة تفسيرًا تاريخيًا لتأسيس المدن بقدر ما تعكس الطريقة التي حاول بها الناس في عصور مختلفة منح المدن أصلًا عظيمًا يتناسب مع مكانتها وأهميتها.
العريش.. من «العرش» إلى عريش إبراهيم
ومن الحكايات المرتبطة بأسماء المدن المصرية، روايات تأسيس العريش، إذ قيل إن اسمها جاء من «العرش»، بينما ذهبت رواية أخرى إلى أن النبي إبراهيم عليه السلام اتخذ بها عريشًا يجلس فيه أثناء إقامته ومواشيه.
وهكذا ارتبط اسم المدينة في الذاكرة الشعبية بقصة ذات طابع ديني، وأصبح أصل الاسم جزءًا من الحكاية التي تناقلتها الأجيال.














0 تعليق