قد يبدو غريباً أن نتخيل قائدًا سياسيًا يترك ملفات الحكم الشائكة والقرارات المصيرية، ليجلس هادئاً أمام لوحة بيضاء ممسكًا بفرشاة الرسم، ليمارس موهبته الدفينة التى لم يقدر علي الافصاح بها اثناء تواجده في السلطة.
ومع تسليط الضوء مجدداً على التجربة الفنية للرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش من خلال معرضه الأحدث، تتجدد الفرصة لاستعادة حكايات قادة آخرين جمعتهم علاقة خاصة بالرسم، من ونستون تشرشل ودوايت أيزنهاور، إلى جيمي كارتر، وأدولف هتلر الذي بدأ حياته محاولاً احتراف الفن قبل أن ينعطف نحو السياسة.
جورج دبليو بوش.. الفرشاة كمسار ما بعد السلطة
عقب مغادرته البيت الأبيض عام 2009، لم تتجه حياة جورج دبليو بوش بالكامل إلى العمل السياسي أو الخيري، ففي عام 2012 بدأ يمسك بالألوان بانتظام، متأثرًا بكتاب "الرسم كقضاء للمقاطع" (Painting as a Pastime) الذي صاغه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل.
تلقى بوش دروسًا في الرسم وتحولت الهواية لديه إلى ممارسة جادة.
بدأ برسم شخصيات عرفها في أروقة الحكم، ثم انتقل إلى موضوعات إنسانية، مثل قدامى المحاربين والمهاجرين، ومؤخراً اصدر مشروعه الفني "Remembering 9/11" -الذي يضم 16 لوحة وافتتح في مركزه الرئاسي بدالاس بالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات- قدم معالجات بصرية لمفاهيم التضحية والصمود.

جورج دبليو بوش
ونستون تشرشل.. ملاذ الهروب من عواصف السياسة
يعد ونستون تشرشل صاحب إحدى أكثر التجارب الفنية رسوخاً بين القادة السياسيين، بدأ الرسم عام 1915 في أعقاب إخفاق حملة "جاليبولي" خلال الحرب العالمية الأولى، وهي الفترة الأشد قسوة في مسيرته السياسية المبكرة.
وجد تشرشل في الطبيعة والألوان مساحة للتعافي الذهني، وأنتج على مدى أربعة عقود أكثر من 500 لوحة داخل مرسمه الخاص بمزرعة "تشارتويل"، ولم يتعامل مع الرسم كنشاط عابر، بل كتب عنه مقالاً شهيراً أكد فيه قدرة الفن على جذب العقل بالكامل وإبعاده عن أعباء الشأن العام. بل إن شغفه انتقل لاحقاً إلى حليفه الأمريكي دوايت أيزنهاور، الذي شجعه تشرشل على اتخاذ الفن وسيلة لتخفيف الضغوط.

ونستون تشرشل
دوايت أيزنهاور.. الجنرال الذي اكتشف موهبته في سن الستين
لم تبدأ علاقة أيزنهاور بالرسم إلا عندما اقترب من سن الستين ففي عام 1948، وأثناء عمله رئيسًا لجامعة كولومبيا قبل توليه الرئاسة الأمريكية، جلس بمحض الصدفة أمام أدوات رسام كان ينفذ بورتريه لزوجته، فقرر أن يجرب بنفسه.
رافقته هذه الهواية طوال فترة رئاسته، إذ خصص لنفسه ركناً للرسم داخل البيت الأبيض بعيداً عن عدسات الصحافة. ورغم أنه أنجز مئات اللوحات الطبيعية والبورتريهات التي أهداها لأصدقائه، إلا أنه ظل ينظر للرسم كأداة للاسترخاء الذهني وسط حدة الحرب الباردة، دون أن يمنح أعماله ادعاءات فنية كبرى.

دوايت أيزنهاور
جيمي كارتر.. التعبير بالفرشاة والنجارة والشعر
ذهب جيمي كارتر إلى ما هو أبعد من الرسم، إذ جمع بين اللوحة الزيتية والنجارة اليدوية وكتابة الشعر. وثقت لوحاته مشاهد من مسقط رأسه في ولاية جورجيا، ورسم المزارع والطيور والأماكن التي ارتبط بها وجدانياً.
حفظت أعماله الحرفية والفنية طابعاً إنسانياً هادئاً، واعتبر في عدة أحاديث أن العمل اليدوي والرسم يمنحانه قدرة على التركيز في الملموس، بعيداً عن القضايا المعقدة التي شغلته داخل البيت الأبيض. ومع طرح عدد من مقتنياته ولوحاته في مزادات علنية، برز الجانب الفني كجزء أصيل من أسلوب حياته اليومي.

جيمى كارتر
أدولف هتلر.. من حلم الرسام الي مجرم حرب
تظل حالة أدولف هتلر هي الأكثر إثارة للجدل، ويجب الفصل فيها بوضوح بين قدراته الفنية المحدودة وبين الجرائم التاريخية التي ارتكبها لاحقاً.
في شبابه، انتقل هتلر إلى فيينا طامحاً في أن يصبح رساماً، لكن أكاديمية الفنون الجميلة رفضت قبوله مرتين عامي 1907 و1908 لعدم كفاية موهبته.
عاش بعدها فترة ينفذ فيها لوحات مائية للمباني والمعالم المعمارية لبيعها في الشارع، ورغم أن لجنة القبول رأت أن ميوله أقرب للهندسة المعمارية، إلا أنه لم يمتلك المؤهلات الدراسية لدخولها.
تشكل هذه المحطة مفارقة في سيرته المبكرة، دون أن يعني ذلك اختزال تحوله السياسي أو صعوده إلى السلطة في مجرد الرفض الأكاديمي، إذ يظل الفشل الفني جزءاً من شبابه المبكر قبل أن ينعطف نحو التطرف الديكتاتوري.
كل هذه التجارب لأصحابها تكشف في مجملها عن إن النفوذ وضجيج السلطة لم يكن كافياً لملء حياة أصحابها، فكانت الفرشاة وقطعة الخشب والقصيدة وسيلتهم للبقاء على تماس مع الجانب الإنساني المباشر.

لوحة من أعمال ادولف هتلر











0 تعليق