عندما قرر أبو الطيب المتنبى الرحيل عن مصر، استعان بأشخاص يثق بهم لمساعدته على الخروج منها، ومن هؤلاء عبدالعزيز بن يوسف الخزاعى، فمدحه أبو الطيب بعدة أبيات، قال فيها:
جَزَى عَرَبًا أَمسَت بِبُلْبَيْسَ رَبُّها
بِمَسعاتِها تَقرِرْ بِذاكَ عُيونُها
كَراكِرَ مِن قَيسِ بنِ عَيلانَ ساهِرًا
جُفونُ ظُباها لِلعُلَى وَجُفونُها
وَخَصَّ بِهِ عَبدَ العَزيزِ بنَ يوسُفٍ
فَما هُوَ إِلّا غَيثُها وَمَعَينُها
فَتًى زانَ في عَينَيَّ أَقصى قَبيلِهِ
وَكَمْ سَيِّدٍ في حِلَّةٍ لا يَزينُها
يقول أبو الطيب: جزى ربُّ العربِ العربَ الساكنة ببلبيس جزاء يقابل مسعاتها لتقر عيونها بذلك الجزاء، والمسعاة هى ما يسعى فى الخير.
لكن كيف نضبط كلمة "بلبيس"، فى ديوان المتنبى بضم الباء الأولى وسكون اللام وفتح الباء الثانية وسكون الياء، وتمنع من الصرف لأنها علم أعجمى. وضبطها هكذا الفيروز آبادى فى "القاموس المحيط"، لكنه قال أيضا يمكن فتح أوله، فقال: بُلْبَيْسُ كغُرْنَيْقٍ وقد يفتح أوله: د بمصر.
يختلف هذا الضبط تماما مع ما ذكره ياقوت الحموى فى "معجم البلدان"، فقال: بِلْبِيس بكسر الباءين، وسكون اللام، وياء، وسين مهملة، كذا ضبطه نصر الإسكندرى، والعامة تقول: بِلْبَيْس، ثم أورد بيتين من أبيات المتنبى الأربعة بكسر الباء الأولى.
أما تقى الدين المقريزى فى خططه فقال تحت عنوان "ذكر مدينة بلبيس"، الجزء الأول: "وقال أبو عبيد البكرى: بلبيس، فتح أوله وإسكان ثانيه بعده باء مثل الأولى مفتوحة أيضا وياء ساكنة وسين مهملة، وهو موضع قريب مصر معروف".
إذن المقريزى يتفق مع الفيروزآبادى فى أحد الوجهين، وهو فتح الباءين بينهما لام ساكنة.
وفى خطط على باشا مبارك: هى بفتح الباء وكسرها كما فى كتاب مراصد الاطلاع، ثم نقل عن المقريزى والفيروز، وعبدالغنى النابلسى الذى حكى أنها بالضم.
تعد مدينة بلبيس مدينة عريقة، ولها شهرة واسعة، وتاريخ مجيد، فقد نزلها يعقوب لما دعاه نبى الله يوسف، وقال على باشا: "وكانت تسمى قديما فلبيس أو فلابيس، وهى مدينة أشهر بلاد الشرقية خصوصا فى الأعصر الماضية، وكانت قاعدة خط الحوف وكرسيه ومحل إقامة حاكمه، وفيها مقدار عظيم من النخيل والأشجار". وإذا صح ما قاله على باشا من أن بلبيس كانت تسمى "فلبيس"، فإنها قد وردت فى "ألف ليلة وليلة" ضمن حكاية الوزير نور الدين مع شمس الدين أخيه، وهذه الحكاية استغرقت ثلاث ليالٍ، ووردت المدينة فى الحكاية الأولى، فعندما مات والد نور الدين وشمس الدين، اتفق الاثنان – إنْ رزق نور بولد وشمس الدين ببنت- على المصاهرة بينهما، لكنهما اختلفا على المهر، فقرر نور الارتحال عن وطنه مصر؛ لأنه كره أخاه الذى طمع فيه، "ثم أسرع وركب البغلة وأخذ معه شيئا قليلا من الزاد وخرج من مصر واستقبل البر فما جاء عليه الظهر حتى دخل مدينة فليبس فنزل عن بغلته واستراح وأراح البغلة وأكل شيئا وأخذ من فليبس ما يحتاج إليه وما يعلق به على بغلته"، فوردت بلبيس باسم فليبس. وما يرجح أن فليبس هى بلبيس أن بعض طبعات "ألف ليلة وليلة" أوردت اسم بلبيس صراحة فى حكاية نور الدين وشمس الدين، كما جاء فى طبعة دار الهلال بالجزء الأول صـ 128.
كان الفتح الإسلامى لمصر قد تم عن طريقها، فأغلب المؤرخين المسلمين يكادون يذكرونها فى مؤلفاتهم، كما أن بها مسجدا يعد من أقدم مساجد مصر وإفريقيا، وهو مسجد "سادات قريش". وتذكر الدكتورة سعاد ماهر فى كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحين" أن مائة وعشرين صحابيا من مختلف القبائل والأجناس استشهدوا فى بلبيس خلال فتح عمرو بن العاص لمصر، ورجحت أن تكون القبائل التى بقيت فى بلبيس ولم تذهب مع باقى الجيش لفتح حصن بابليون قد أقامت على هؤلاء وغيرهم ممن استشهدوا فى المعارك مسجدًا أطلقوا عليه اسم جامع السادات تكريما لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعلى أرضها حدثت قصة "أرمانوسة" المصرية، وهى ابنة المقوقس حاكم مصر، وقد زوجها أبوها من قسطنطين بن هرقل، فأعد لها موكبا ضخما لتسير إلى عريسها ويكون الزواج فى فلسطين، فلما وصلت إلى مدينة بلبيس، جاء سيدنا عمرو بن العاص بجيشه ليشتبك مع قوات المدينة، فهزمهم وأخذ الموكب وأُسرت "أرمانوسة"، فردها عمرو إلى أبيها ردا جميلا.
خلد الأدب هذه القصة مرتين، مرة عندما كتب جورجى زيدان روايته البديعة "أرمانوسة المصرية"، وتتضمن فتح العرب لمصر، وفى الرواية لا تحب "أرمانوسة" عريسها "قسطنطين" بل تحب شخصا آخر هو "أركاديوس بن الأعيرج" القائد الرومانى الذى حضر إلى مصر للدفاع عنها ضد العرب.
أما القصة الثانية التى جاء فيها ذكر مدينة بلبيس، فهى "اليمامتان" للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعى، وهى أول قصة وردت بكتابه "وحى القلم"، وفيها يدافع الرافعى عن سماحة الإسلام، فكانت لأرمانوسة جارية تدعى مارية، كانت تكره العرب والإسلام، فكانت مسيحية قوية الدين والعقل على حد تعبير الرافعى، ولما نزل عمرو بلبيس توهمت مارية أن العرب سيفتكون بها وبسيدتها أرمانوسة أو يتزوجان منهما، وصنعت مارية فى ذلك شعرا ترجمته، كما يذكر الرافعى:
جاءكِ أربعة آلاف جزار أيتها الشاة المسكينة!
ستذوق كلُّ شعرة منك ألمَ الذبح قبل أن تُذبَحى!
جاءكِ أربعة آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة!
ستموتين أربعة آلاف مِيتة قبل الموت!
قَوِّنى يا إلهى، لأغمد في صدرى سكينًا يرد عنى الجزارين!
يا إلهى، قَوِّ هذه العذراء؛ لتتزوج الموت قبل أن يتزوجها العربى!
لكن مارية تغير من نظرتها تجاه عمرو والعرب، وتعجب به أيما إعجاب، ولما وصفوا لها صفات القائد العربى، قالت: والله لكأننا ثلاثَتَنَا على دين عمرو.
كانت بلبيس طوال عمرها عاصمة إقليم الشرقية، إلى أن جاء محمد على باشا سنة 1832 وجعل الزقازيق هى العاصمة لكونها وسط الإقليم.
يروى "السيد محمد عاشور" مؤلف كتاب "بلبيس بلد الأنبياء والرسل"، بعضا من العلماء الذين ولدوا ببلبيس أو تولوا أعمالا بها، ومن هؤلاء الشيخ عبدالله الشرقاوى الذى ولد بها، وكان رئيس المجلس الوطنى الذى أنشأه نابليون بونابرت، ثم تولى مشيخة الأزهر. وتولى الإمام البوصيرى "صاحب البردة" أعمالا كتابية ببلبيس، وله قصيدة فى غاية الروعة بعنوان "كم هدانا"، ومطلعها:
حَيَّ بُلْبَيْسَ مَنْزِلًا في العِمَارَهْ
وَتَوَجَّهْ تِلْقَاءَ بِئْرِ عُمَارَهْ
وأيضا الشيخ زكريا الأنصارى الذى لقب بشيخ الإسلام، كذلك الشيخ أحمد الحملاوى من مواليد قرية ميت حمل التابعة لبلبيس الذى تخرج على يديه جيل قاد مصر بعد ذلك أدبا وفكرا، مثل الشيخ عبدالعزيز جاويش والشيخ أحمد السكندرى والشيخ محمد الخضرى بك ومصطفى السقا ومهدى علام وأمين الخولى، كما ولد بها الشيخ عبدالحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر، كذلك الدكتور مجدى يعقوب، جراح القلب العالمى.














0 تعليق