مستقبل المترجمين فى عصر الذكاء الاصطناعى.. هل تنقرض المهنة؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد المترجمين في إنجاز عملهم، بل أصبح منافسًا حقيقيًا يفرض نفسه على المهنة، ويؤثر بشكل مباشر على المترجم البشري في الوقت الذى أصبحت فيه الآلة قادرة على إنتاج نصوص تبدو طبيعية ودقيقة خلال ثوانٍ.

وفي أوروبا، حيث تتعايش أكثر من 200 لغة، تبدو صناعة الترجمة واحدة من أكثر المجالات الثقافية تأثرًا بالتحول، الذي أحدثته نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيما يخشى كثير من المترجمين أن تؤدي التكنولوجيا إلى تراجع الطلب على خدماتهم وانخفاض أجورهم، حتى لو لم تختفِ المهنة بالكامل.

 

تجربة تكشف سرعة تطور الآلة

وبحسب تقرير نشرته صحيفة جارديان، أنه في عام 2022، قرر المترجم الأدبي الفرنسي يوان جنتريك Yoann Gentric اختبار مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسته أثناء عمله على ترجمة رواية "Wayward" للكاتبة الأمريكية دانا سبوتا إلى الفرنسية، حيث توقف جنتريك أمام جملة قصيرة تصف شعور بطلة الرواية عند فتح نافذة، تقول بالإنجليزية: "Bright, sharp night air, bracing"، واختبر ترجمتها عبر منصة DeepL، إحدى أشهر أدوات الترجمة الآلية.

جاءت النتيجة وقتها مرتبكة، إذ نقلت الأداة المعنى بشكل حرفي تقريبًا، لكنها فشلت في التقاط الإيقاع والتكرار المقصود في الجملة، بينما تمكن جنتريك من صياغة ترجمة أكثر سلاسة حافظت على نبرة النص.

لكن عندما أعاد التجربة في عام 2026، فوجئ بأن النتيجة أصبحت أفضل بكثير، فلم تكن الترجمة مثالية لكنها أظهرت قدرة الآلة على اختيار مفردات أكثر تنوعًا، بل وعلى الحفاظ جزئيًا على الموسيقى الداخلية للجملة.

 

8 من كل 10 مترجمين يرون الذكاء الاصطناعي تهديدًا

وفق مسح حديث أجرته جمعيتا المؤلفين الفرنسيتين ADAGP وSociété des Gens de Lettres، يرى 79% من المترجمين المشاركين أن صعود الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا بإحلال الآلة محل جزء من أعمالهم أو كلها.

وفي بريطانيا، أظهر مسح أُجري عام 2025 أن 84% من المترجمين الذين شملهم الاستطلاع يتوقعون انخفاض الطلب على الترجمة البشرية، وما يترتب على ذلك من تراجع في الأجور، وبالفعل بدأت آثار هذا التحول تظهر في سوق العمل.
فبحسب رواية ذكرتها "جارديان" للمترجمة الألمانية-الإنجليزية لورا رادوش، التي تعمل في برلين، فكانت تتلقى نحو أربعة عروض عمل شهريًا من جامعات وأساتذة ومتاحف، لكن الرقم تراجع العام الماضي إلى عرض واحد تقريبًا كل شهر.

واللافت أن جزءًا من هذه الوظائف لم يعد يتطلب ترجمة النص من الصفر، وإنما "تحريرًا لاحقًا" لنصوص سبق أن ترجمتها الآلة.

ولفتت رادوش أن هذا النوع من العمل لا يعني بالضرورة جهدًا أقل، فمراجعة النصوص التي أنتجتها الآلة تستغرق منها أحيانًا الوقت نفسه الذي تحتاجه للترجمة من البداية، لكنها في المقابل تحصل على أجر أقل.

 

الآلة أسرع.. لكن هل تفهم ما تترجمه؟

يقول ماركو ترومبيتي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Translated المتخصصة في الترجمة الآلية، إن الإنسان يستطيع في المتوسط إنتاج نحو 3 آلاف كلمة مترجمة يوميًا من دون مساعدة، بينما يستطيع المبتدئ إنتاج نحو 1500 كلمة، وقد يصل أفضل المترجمين إلى 6 آلاف كلمة.

أما الآلة، فلا تعمل وفق هذا الإيقاع البشري المحدود، لكن السرعة لا تعني بالضرورة الفهم.

ومن أكثر المشكلات التي لا تزال تواجه الترجمة الآلية قدرتها على قراءة السياق وتحديد المعنى المقصود للكلمة وفق موقعها داخل النص، ومن الأمثلة اللافتة على ذلك ما حدث مع دار النشر الأكاديمية Springer Nature، عندما ترجمت آليًا إلى الألمانية كتابًا بعنوان "Capital in the East: Reflections on Marx"، لكن أداة DeepL ترجمت كلمة "Capital" في عناوين الفصول إلى "Hauptstadt"، أي "عاصمة مدينة"، بدلًا من "Kapital" بمعنى رأس المال المقصود في سياق الكتاب.

ورغم أن الناشر أكد أن الترجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تخضع لمراجعة بشرية، فإن الواقعة تكشف الفارق بين معرفة معنى كلمة ومعرفة لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة تحديدًا.

 

الترجمة الأدبية.. الملاذ الأخير للمترجم؟

المفارقة أن الترجمة الأدبية، التي كان يمكن تصور أنها الأكثر تعرضًا للخطر بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص سلسة، تبدو في بعض الأسواق الأوروبية أكثر صمودًا من الترجمة التقنية.

في ألمانيا، ورغم التراجع التدريجي في إجمالي عدد الكتب الجديدة المنشورة، حافظت الكتب المترجمة على حضور قوي، إذ نُشر 8765 كتابًا مترجمًا خلال عام 2024، شكلت نحو 15% من إجمالي الإنتاج، وهي نسبة مرتفعة تاريخيًا.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى طبيعة النص الأدبي نفسه، فترجمة الرواية لا تتعلق بنقل المعلومات من لغة إلى أخرى فقط، وإنما بفهم الشخصيات، ونبرتها، ودوافعها، وإيقاع الحوار، والطبقة الاجتماعية والثقافية التي تتحرك داخلها.

 

هل يصبح المترجم "محررًا" بدلًا من مترجم؟

المشهد المقبل قد لا يكون اختفاء المترجم بالكامل، وإنما تغير طبيعة وظيفته، فبدلًا من أن يبدأ الإنسان كل نص من الصفحة الأولى، قد تقدم الآلة المسودة الأولى، ثم يتولى المترجم البشري إعادة بناء النص، وتصحيح الأخطاء، وضبط الأسلوب، والتأكد من السياق والنبرة.

لكن هذا التحول يثير مشكلة أخرى، إذا أصبحت مهمة المترجم هي فقط مراجعة ما تنتجه الآلة، فقد تنخفض قيمة العمل اقتصاديًا، حتى لو ظل وجود الإنسان ضروريًا.

 

مستقبل المهنة.. الإنسان لن يختفي بهذه السهولة

بحسب المتخصصون فإن التحدى الأكبر الذى سيواجه الترجمة ليس فقط استبدال كلمة بأخرى، وإنما فهم ما يقوله النص وما يريد أن يفعله أيضًا، ولهذا لا يبدو مستقبل المترجم البشري محسومًا لصالح الآلة، لكنه بالتأكيد لن يكون كما كان، فمن المتوقع أن تختفي بعض الوظائف الروتينية، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من أدوات المهنة، لكن في النصوص الأدبية والإبداعية، تظل هناك مساحة واسعة للخبرة البشرية، وللحدس، وللتذوق، وللقدرة على قراءة ما بين السطور.

وربما تختصر المترجمة الألمانية ماريكه هايمبورجر المسألة كلها في جملة واحدة: "أنا لا أخاف حقًا من الذكاء الاصطناعي، لأنني أعرف أنه لا يستطيع فعل ما أستطيع فعله، ما أخاف منه هو الأشخاص الذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بعملي".

أخبار ذات صلة

0 تعليق