مقاطع
1
كأنك ميت منذ زمن، لكنك لم تنتبه بعد. لا شعور حقيقي يبقى، فقط فراغ يتسع داخلك حتى تصبح هيكلًا من عظام هشة، تحاول أن تقف، لكنها لا تصمد إلا قليلًا قبل أن تتداعى من جديد.
2
قالوا لي: البحر خانك.
كنت أحبه، أذهب إليه وأحكي له، أضع فيه أسراري كأنّه صدرٌ آخر. وحين غفوت، انقضّ عليّ، وخطف أبي إلى أعماقه.
كلما ذهبت إلى قبره، جلستُ بجواره، كأنني أنتظر أن ينهض. أقرأ الفاتحة، ثم أصمت طويلًا، كأن الصمت وحده قد يفتح بابًا لا يُفتح.
غرقنا معًا في حفرةٍ واحدة، في طينٍ لا قرار له. أنا إلى جواره، وهو إلى جواري، والفرق الوحيد أن اسمه كُتب على القبر، واسمي ظلّ عالقًا في الحياة.
3
أن نعيش… أن نموت… أن نبقى على قيد الألم… كلها احتمالات متشابهة في النهاية, ولا أحد يسأل: هل نستحق كل هذا؟
4
إذا كانت الحياة قد عاملتنا بكل هذه القسوة والنفور، فما بال البشر من حولنا وقد أضافوا إلى ذلك جراحًا أخرى احتلت كل تفاصيل الوجود؟
لم تمنحنا الحياة خبزًا، بل ألقمتنا مراراتٍ عالقة في الحلق، صارت غصّة دائمة نتجرعها كل يوم، بل كل ساعة.
5
وفي ساعات الوحدة، كان هو من يداوي نفسه بنفسه:
يضع يده على رأسه، ويطمئن نفسه، ويبحث عن أي جمال عابر في الكتب، أو التاريخ، أو مشهد عابر في الطبيعة.
6
كانت الأنفاس في صدري ملتهبة، والصخور المحمومة تجرح قدمي في كل خطوة، لكنني لم أتوقف. كنت أنهض كلما سقطت، وأزيل عن وجهي ما علق به من طين، ثم أرفع يدي نحو ذلك النور البعيد الذي طالما أحببته, أرفعها مستغيثًا, لكنه كان يمر من أمامي دون أن يراني. فألتمس له العذر، وأنتظر الغد. ويجيء الغد، ويجيء معه أمل جديد، ثم يمضي كما مضى غيره. فأظل أسير بين دخان احتراقي وصدى النار.
7
كنت أشعر أحيانًا أن وجهي يحمل تاريخًا طويلًا من الهزائم. أنظر إلى المرآة فأخشى ما أراه فيها. كنت أتمنى لو تركت الحياة على ملامحي لمحة صغيرة من الجمال، أو أثرًا خفيفًا من الضوء، أو نظرة واحدة تجعلني أقل قسوة على نفسي.
8
إذا كان الشقاء قد فاض علينا حتى أحاط بنا من كل جانب، وإذا كانت الهموم قد ابتلعتنا، ومشينا فوق جمر الأيام، وواجهنا الناس بعفن نواياهم، حتى لم يعد فينا قناع نختبئ خلفه، فما جدوى هذا الامتداد من الألم؟
9
كنت فقط أريد أن أرفع رأسي قليلًا نحو الشمس، أن أبعث لها تحية بسيطة، وأن أترك للنجوم نظرة لا يشوبها الخوف، وأن أشارك النسيم في عبوره البطيء فوق المدن البعيدة.
كنت أسأل نفسي أحيانًا: هل يمكن للإنسان أن يخلع صدره كما يخلع ثوبه؟ أن يتركه في زاوية من الماضي، ثم يمضي خفيفًا بلا قلب؟
أن أدفن النسخة التي أعرفها من نفسي، وأولد من جديد في ضوء مختلف، في أرض لا تحفظ اسمي ولا تذكرني بشيء.















0 تعليق