عند مشاهدة أفلام ومسلسلات العصور الوسطى أو زيارة إحدى القلاع الأثرية، قد يلفت انتباهك وجود سلالم حجرية حلزونية ضيقة تلتف في اتجاه عقارب الساعة حتى تصل إلى الأعلى، قد يبدو الأمر مجرد تصميم معماري خاص بهذه الفترة الزمنية، لكن خلف هذا التصميم تكمن واحدة من أكثر الحيل الدفاعية ذكاءً في تاريخ العمارة العسكرية.
ويشير الباحثون والمؤرخون إلى أن بناء السلالم الحلزونية كان متعمدا من قبل المهندسون العسكريون، لتكون القلاع الضخمة حصونا أيضا، تمنح المدافعين القدرة على مواجهة أي محاولة اقتحام من العدو، خاصة أن أغلب الجنود في ذلك الوقت كانوا يستخدمون اليد اليمنى.
فعندما يصعد المهاجم إلى أعلى، يجد الجدار الحجري الداخلي ملاصقاً لذراعه اليمنى، ما يحد من قدرته على تحريك السيف بحرية، وإذا حاول الابتعاد عن الجدار لتوجيه ضربة قوية، يصبح أكثر انكشافاً أمام المدافع الموجود في الأعلى لذا كان هذا السبب هو السر في أن تكون "السلالم" باتجاه عقارب الساعة.

في المقابل، كان الجندي المدافع يقاتل من مستوى أعلى، ويستفيد من اتساع المساحة إلى جانبه، مما يسمح له باستخدام سيفه بكامل حركته، بينما يوفر له العمود الحجري المركزي قدراً من الحماية كدرع جزئي أثناء الاشتباك.
ولم يتوقف الأمر عند اتجاه السلم فقط، إذ صُممت كثير من السلالم بدرجات غير متساوية الارتفاع والعرض، وهو ما يجعلها تمثل عقبة حقيقية أمام المهاجمين الذين لا يعرفون طبيعة المكان، ويساعد جنود القلعة الذين اعتادوا السير عليها يومياً، مما يساعدهم أيضا أثناء القتال.
من ناحية أخرى لعبت الإضاءة دوراً مهماً في المنظومة الدفاعية، فدائماً ما تجد أن الإضاءة سيئة على الممرات والسلالم الداخلية، ما يصعب على المهاجم رؤية من ينتظره في الأعلى، بينما يتمتع المدافع برؤية أفضل للقادم من أسفل، فيستطيع مباغتته في اللحظة المناسبة.

ورغم أن هذا التصميم كان شائعاً في كثير من قلاع أوروبا، فإن المؤرخين يؤكدون أنه لم يكن قاعدة ثابتة في جميع القلاع، إذ اختلفت التصاميم باختلاف طبيعة الموقع والحقبة الزمنية والهدف العسكري من بناء القلعة.
أما في العالم العربي، لا تزال العديد من القلاع التاريخية شاهده على عبقرية العمارة العسكرية في العصور الوسطى، بجانب القلاع الإسلامية والصليبية التي اعتمدت حلولاً دفاعية متطورة وذكية، جعلت اقتحامها مهمة بالغة الصعوبة.

وربما لهذا السبب، عندما ترى سلماً حلزونياً داخل قلعة قديمة، فلا تنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للصعود، بل باعتباره سلاحاً معمارياً صمم بعناية ليمنح المدافعين فرصة أكبر للبقاء، ويحول كل درجة فيها إلى عقبة أمام أي عدو يحاول اقتحام الحصن.















0 تعليق