الدكتورة سلوى كامل تكتب: العادات والتقاليد والهوية المصرية (13)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

التعاليم والحكم عند المصرى القديم

تُشكّل الحِكم والآداب أساس الإنتاج الأدبى فى مصر، وهى عبارة عن توجيهات من معلم إلى تلميذ، أو من أب إلى إبنه، الذين كانوا يلقبون، منذ عصر الدولة القديمة وحتى العصر المتأخر، بألقاب الملوك أو كبار المسؤولين.

وقد شكّلت هذه الحِكم والآداب جزءًا من التعليم العام فى المدارس، ولذلك، كانت تنقل فى نسخ متعددة، لا سيما النسخ اللاحقة التى كان ينسخها تلاميذ المدارس على ورق البردى أو شقافات الفخار. وكان الهدف الرئيسى من هذه المجموعات من الحِكم والآداب هو توفير الوسائل اللازمة، لكل موقف من مواقف الحياة، للالتزام بالعادات والتقاليد الراسخة والممارسات الحسنة، ومن منظور فلسفة الحياة المصرية، يتوافق هذا مع مفهوم "ماعت".

فى الدولة القديمة، اقتصرت التوجيهات على قواعد المجاملة والآداب، بعد الاضطرابات السياسية والاجتماعية التى رافقت انهيار الدولة القديمة، تمجدت هذه التوجيهات المسؤول في دوره كداعم للدولة، ونشرت فيها مُثل الولاء للملك. مع ذلك، أبرزت التعاليم التى كتبها الملكان، وهما "تعاليم مريكارع"، من الأسرة العاشرة، و"تعاليم أمنمحات الأول" من الأسرة الثانية عشر لابنه سنوسرت، حيث الجانب الإنسانى للملوك.

أما تعاليم الدولة الحديثة والعصر المتأخر، فقد حولت التركيز إلى العلاقة بين الإنسان والاله؛ إذ حذرت من تجاوز الأحكام الدينية، وأكدت على قيمة التقوى الشخصية، وعلى أن مصير الفرد رهن بإرادة الإله. التزمت هذه التقاليد الحكيمة بقواعد رسمية صارمة. يذكر المدخل اسم المؤلف، وأحيانًا سبب تعاليمه.

لا يمكننا فصل حكمة المعرفة والاحترام وتطبيق الإعترافات السلبية الـ 42، من أجل البقاء متسقين تمامًا مع ما هو قادم، ألا وهو: التحذير من تجاوز التعاليم الدينية والإصرار على قيمة التقوى الشخصية وكذلك على حقيقة أن مصير الفرد يعتمد على الإرادة الإلهية.

ومن أهم التعاليم التى وصلت إلينا:

تعاليم بتاح حتب

ولقد كان وزيرًا للملك جد كا رع إسيسى، يعرف بأنه مؤلف لسلسلة من الأقوال الحكيمة تعرف باسمه، كتبت على شكل نصائح وإرشادات من أب لإبنه.

-"إذا كنتَ ذا سلطة، فتصرف بما يُحترمك، وفقًا لعلمك وهدوء كلامك. لا تُصدر الأوامر إلا عند الضرورة".

-"لا تجعل قلبك يتكبر بما تعلمه، استشر الجاهل كما تستشير العالم، فحدود الفن لا تدرك، ولم يبلغ أى حرفى الكمال".


-"إذا كنت عظيمًا بعد أن كنت صغيرًا، أو غنيًا بعد أن كنتَ فقيرًا... فاعرف كيف تبقى متواضعًا. إذا بلغت أعلى المراتب، فلا تثقل قلبك بالكبرياء بسبب علوّ شأنك، فأنت مجرد وكيل على ثروة الآلهة".

-"إذا أردتَ صداقةً تدوم، فى بيتٍ تدخله سيدًا أو أخًا أو صديقًا، أينما حللت، فاحذر النساء؛ فما يشغلن به ينتهى بالسوء. لا أحد فى مأمنٍ من مكائدهن؛ آلاف الرجال يضلون عن نفعهم. يفقد المرء عقله من أجل جسدٍ باردٍ كالخزف، ثم يتحول إلى عقيقٍ متوهج. إنها لحظةٌ عابرة؛ يصل المرء إلى الموت لمجرد معرفته بهن".

-"لا تدع الخوف يتسلل إلى قلوب الناس، بل امنحهم حياةً هانئة، وليعيدوا طواعيةً ما سلب منهم بالترهيب".

-"إن كنتَ حكيمًا، فأنجب ابنًا يُرضى الآلهة. فإن كان حكمه متوافقًا مع حكمك، وأدار شؤونك على الوجه الأمثل، فأحسن إليه قدر استطاعتك؛ فهو ابنك، كائنٌ مُخلصٌ لك، أنتَ من أنجبته. لا تُفرّق قلبك عنه".

-"لا تكن أفكارك متكبرة ولا متواضعة". إن كنتَ قلقًا، فإهدأ. فالشخص اللطيف يتجاوز كل العقبات، أما من يقلق طوال اليوم فلا يجد لحظةً سعيدة.

-"العلم نعمةٌ لمن يناله، ونقمةٌ لمن يهرب منه، ولكن لا ينبغى للمرء أن يتباهى بمعرفته، فليس للمعرفة حدود، ولا أحد يبلغ الكمال. الاستماع أجمل ما فى الوجود".

-"لا تبثوا الخوف بين الناس، فإن الإله سيحاربكم بالمثل. من يسعى إلى قهر الحياة بالعنف، سيحرمه الله من رزقه، ويسلبه ماله، ويجعله عاجزًا".

-"ما أجمل أن يرث الابن من أبيه ما بلغ به الشيخوخة! إن ما يريده الاله هو الطاعة، والمعصية مكروهة عنده".
-"إذا كنت قد تسامحت مع رجل من قبل، وغفرت له لتهديه إلى الصراط المستقيم، فتجنبه، ولا تجبره على تذكر ذلك".
-"لا تغر بما تعلمت، بل خاطب الجاهل كما تخاطب الحكيم. فليس للمعرفة حد، كما لا يوجد خبير يُلمّ بكل شىء. الكلمة الصالحة أندر من الزمرد الذى وجدته الجارية الصغيرة بين الحصى".

تعاليم مريكارع

"فضيلة الرجل المستقيم أثمن من ثور المذنب".
"اللسان سيف الملك! الكلمات أثمن من كل المعارك".

تعاليم أمنمحات الأول

«يا من ظهرت جليًا كإله، استمع لما سأقوله لك، لتكون ملكًا على الأرض، وتسيطر على الشواطئ، وتنجز الخير بوفرة. احذر من التابعين، لئلا يقع أمرٌ ما دون أن يلاحظ؛ لا تقترب منهم، ولا تبقى وحيدًا؛ لا تثق بأخ، ولا تعرف أصدقاء، ولا تتخذ مقربين، فليس فى ذلك نفع. وإن نمت، فليحذر قلبك، فليس للرجل أصدقاء فى يوم الشدة. لقد أعطيت المحتاجين، وجعلت من لا يملك شيئًا قادرًا على بلوغ نفس مكانة من يملك».

تعاليم أمنموبى

هو أحد أعمال الأدب المصرى القديم، التى ترجع غالبًا لحقبة الرعامسة. تحتوى التعاليم على ثلاثين فصل من النصائح للحياة الناجحة، وهى مكتوبة فى صورة وصية من الكاتب «أمنموبى بن كا نخت» لابنه.

"لا تفصل قلبك عن لسانك، وستنجح جميع مساعيك".

"ما فائدة التزين بالثياب الفاخرة إذا كنت تتصرف كالمحتال أمام الإله؟ إن الفخار المزيف الذى يُشبه الذهب يتحول إلى رصاص عند بزوغ الفجر".

"لا تسمحوا بإساءة معاملة الفقراء وكبار السن، لا بالقول ولا بالفعل".

«الأشرار يدوسون على العدل، ويحاولون بأفعالهم الشريرة محو الزمن!»
"لا ينبغى لمن يرغب في امتلاك أرض أن يزدهر بحرث أراضي غيره".

"إذا علمتَ أن رجلاً شريرًا سرق رغيف خبز من عامل فقير، فإمنعه من تكرار ذلك. فهذا العمل يُفيد نفسك".

"من كان نقيًا كالذهب الخالص، يُكرّم فوق عامة الناس، ويشهد سقوط أعدائه".

"لا تنسَ أبدًا أن الغريب أخوك، ولا تمرّ بقارورة زيتك دون أن تتوقف".

"ليفهم عقلك كلامى، وليعمل به قلبك، فمن يتجاهله لن يعرف السلام الداخلى أبدًا".

"لا تصرخ فى وجه من يعتدى عليك، ولا ترد عليه بنفسك. الشاطئ يقذفه، والسيل يجرفه".

"ينبغى على الرجل فى منصبه أن يكون عظيمًا فيه، كما ينبغى أن يكون البئر غنيًا بالماء".

"سفينة الأحمق تغوص فى الوحل، أما سفينة الصامت فتبحر مع الريح".

"احذروا سرقة الفقراء، والعنف ضد المرضى. لا تمدّوا أيديكم لضرب شيخ، ولا تكونوا فظّين مع كبير السن".
"من يحب جاره يجد دائمًا أقاربه حوله. يمنح الله المرء المال ليفعل الخير".

"أصغِ جيدًا لهذه الكلمات، واجعل قلبك يفهمها. من المفيد أن تحفظها فى قلبك؛ ويلٌ لمن يتجاهلها! دعها تستقر فى داخلك، واحفظها فى قلبك. إذا عشت حياتك وهذه الكلمات فى قلبك، فستنجح".

"هكذا إلى الأبد: الإنسان لا شىء. غنى وفقير. من كان غنيًا بالأمس فهو اليوم تائه. مجرى الأمس يجرى فى غيره. البحيرات العظيمة جافة، والشواطئ القديمة فى الهاوية".

وهكذا كان المصرى القديم حكيمًا فى تصرفاته، وسلوكه اليومى، وهذه الحكمة فى نفس الوقت جزءًا هامًا من شخصيته وهويته المتفردة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق