في قلب بغداد العباسية، وُلد واحد من أعظم الصروح العلمية في تاريخ الحضارة الإنسانية، هو بيت الحكمة، الذي تحول إلى منارة للمعرفة ومركز عالمي للترجمة والبحث العلمي، حيث لعب بيت الحكمة دورًا محوريًا في نقل علوم الأمم المختلفة إلى العربية، جامعًا بين رفوفه كنوزًا فكرية من التراث اليوناني والفارسي والهندي وغيره، ومن خلال جهود المترجمين والعلماء، أصبح هذا الصرح رمزًا للعصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ومركزًا أسهم في حفظ المعرفة الإنسانية وتطويرها، فاتحًا الطريق أمام نهضة علمية امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
نشأة بيت الحكمة
بيت الحكمة أنشأه هارون الرشيد، وبلغ النشاط فيه ذروته في عهد المأمون، حيث ازدهرت الترجمة لنقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى العربية، وقد حوى بيت الحكمة مؤلفات مكتوبة في الأصل بلغات مختلفة، ومن أهمها الكتب اليونانية، والفارسية، والهندية، والقبطية، والآرامية، ويقول ابن أبي أصيبعة:" إن الرشيد قلد يوحنا ابن ماسويه ترجمة الكتب القديمة التي وجدها في أنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم بعد دخول المسلمين فيها"، ويحدث "ابن نباتة" أن المأمون عين "سهل بن هارون" كاتبًا على "خزانة الحكمة"، حيث كتب الفلاسفة التي نقلت إلى المأمون من جزيرة قبرص، ذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وقد اغتبط بها الإليها، وذلك وفق ما جاء على الصفحة الرسمية لوزارة الأوقاف.
حركة الترجمة من اللغات اليونانية والفارسية والهندية
ويروي ابن النديم أن مجموعة ثالثة جاءت من القسطنطينية إلى خزانة الحكمة طلبها المأمون من ملك الروم، وهي تضم مؤلفات لأفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم، وقد صنفت هذه الكتب التي وردت إلى بيت الحكمة حسب موضوعها، واختير لها المترجمون ممن لهم خبرة علمية بالموضوع الذي يترجمون عنه، بالإضافة إلى إجادتهم للغة أخرى أو أكثر غير العربية، وقد ظهرت عبارة بيت الحكمة، أو مثيلتها "خزانة الحكمة" في أيام هارون الرشيد.
أما في عهد الخليفة المأمون، وإن لم يكن هو المنشئ لهذه المؤسسة، فقد أعطاها دفعة قوية جدًا نحو النشاط العلمي الذي ارتبط بها، وبيت الحكمة الذي بدأ مكتبة في خدمة الأمير أو الحاكم، أضحى في عهد المأمون مكتبة مفتوحة للنخبة من العلماء، كذلك غنيٌ عن البيان أن نعرف المقصود بـ "الحكمة" في الثقافة العربية الإسلامية باعتبارها ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، فهي كلمة تشير إلى العقل وإلى الفكر النظري بالمعنى المباشر للكلمة، وإلى جميع أشكال المعرفة المورثة من العصور القديمة والمستحدثة التي تضيف إليها.

















0 تعليق