بعيدًا عن المقارنات الحتمية مع أفلام بريندان فريزر الشهيرة، يختار لي كرونين أن يعيد تقديم The Mummy كرؤية مختلفة تمامًا، أقرب إلى كابوس نفسي طويل ومزعج منه إلى فيلم مغامرات تقليدي، منذ المشاهد الأولى يوضح الفيلم أنه لا يسعى لتقديم المتعة الخفيفة أو روح الاكتشاف الكلاسيكية، بل يريد إدخال المشاهد في حالة مستمرة من التوتر والخوف وعدم الراحة كرونين، الذي أثبت قدرته على صناعة الرعب القاسي في Evil Dead Rise، يستخدم هنا نفس الأسلوب لكن بشكل أكثر ظلامًا ونضجًا، ليقدم فيلمًا يعتمد على الرعب النفسي والجسدي أكثر من اعتماده على الأكشن أو الاستعراض البصري التجاري.
الإيقاع البطيء نسبيًا في النصف الأول قد يكون مفاجئًا للبعض، لكنه يخدم رؤية الفيلم بشكل واضح، كرونين يمنح الشخصيات وقتًا كافيًا للتوتر والانهيار التدريجي تحت تأثير اللعنة، قبل أن ينفجر الفيلم لاحقًا في سلسلة من المشاهد العنيفة والمخيفة التي لا تمنح المشاهد فرصة للتنفس، هذا البناء التدريجي للتوتر يعتبر من أفضل عناصر الفيلم، لأنه يجعل الرعب نابعًا من الأجواء والحالة النفسية أكثر من مجرد مشاهد الفزع المفاجئة.
الصورة البصرية هي بلا شك أقوى عناصر العمل. كل لقطة تبدو مصممة بعناية شديدة لتزيد شعور المشاهد بالاختناق والخوف، الإضاءة الخافتة، الممرات الضيقة، الغرف القديمة المليئة بالنقوش، وحتى استخدام الظلال والصمت، كلها أدوات يستخدمها كرونين بذكاء لصناعة عالم يبدو حيًا وملعونًا في الوقت نفسه.
وهناك اهتمام واضح بالتفاصيل البصرية يجعل الفيلم أشبه بتجربة حسية ثقيلة، حيث يشعر المشاهد بالرعب حتى في اللحظات التي لا يحدث فيها شيء مباشر.
المؤثرات العملية والـ body horror يلعبان دورًا أساسيًا في بناء هذا العالم المرعب. الفيلم يحتوي على مشاهد قاسية جدًا بصريًا، بعضها قد يكون صادمًا أو مزعجًا للمشاهدين غير المعتادين على هذا النوع من الرعب. لكن المميز أن كرونين لا يستخدم العنف لمجرد الصدمة، بل يجعله انعكاسًا لحالة الشخصيات النفسية وتحولها التدريجي تحت تأثير اللعنة القديمة.
على مستوى التمثيل، يقدم جاك رينور أداءً قويًا ومتوترًا يعكس الانهيار النفسي التدريجي لشخصيته، بينما تضيف لايا كوستا بعدًا إنسانيًا مهمًا وسط كل هذا الظلام، ومن أبرز مفاجآت الفيلم أيضًا حضور الممثلتين المصريتين مي الغيطي ومي كالماوي، اللتين تضيفان طاقة مختلفة للفيلم، مي الغيطي تقدم أداءً هادئًا لكنه مؤثر، وتنجح في خلق حضور واضح داخل الأحداث رغم الطبيعة الكئيبة للفيلم، بينما تمنح مي كالماوي الشخصية التي تؤديها غموضًا وقوة عاطفية تجعلها من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام، وجودهما يضيف تنوعًا ملحوظًا للعمل، خاصة مع اعتماد الفيلم على شخصيات تحمل خلفيات ثقافية مرتبطة بتاريخ اللعنة والأسطورة القديمة.
ورغم كل نقاط القوة، لا يخلو الفيلم من بعض العيوب، التركيز الكبير على الأجواء والرعب البصري يأتي أحيانًا على حساب تطوير بعض الشخصيات الثانوية، كما أن الإفراط في الـ gore قد يجعل البعض يشعر بأن الفيلم يهتم بالصدمة أكثر من القصة نفسها. كذلك قد يرى بعض المشاهدين أن مدة الفيلم أطول قليلًا من اللازم، خصوصًا في المنتصف حيث يتكرر الإيقاع البطيء قبل التصعيد الأخير.
ومع ذلك يبقى The Mummy تجربة رعب سينمائية جريئة ومختلفة تثبت أن لي كرونين أصبح واحدًا من أهم مخرجي الرعب الحاليين، إنه فيلم لا يريد إرضاء الجميع، بل يسعى لخلق تجربة ثقيلة ومزعجة تظل عالقة في ذهن المشاهد حتى بعد النهاية.

















0 تعليق