في 25 مايو عام 1921 دخلت الحياة السياسية المصرية واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، بعدما تحولت الخلافات بين الزعيم سعد زغلول ورئيس الوزراء عدلي يكن إلى أزمة مفتوحة انتهت بمظاهرات دامية في الإسكندرية، وأدت إلى سقوط وزارة عدلي يكن الأولى، في لحظة فارقة من تاريخ الحركة الوطنية المصرية.
وزارة «الثقة» ومحاولة التفاوض مع بريطانيا
ووفقا لـ "الموسوعة العربية" تولى عدلي يكن رئاسة الحكومة في 17 مارس 1921، وشكل وزارة ضمت شخصيات بارزة منها حسين رشدي باشا نائبًا له، وعبد الخالق ثروت وزيرًا للداخلية، وأعلنت الوزارة منذ البداية أن هدفها الرئيسي هو إعادة النظر في علاقة مصر ببريطانيا، والعمل للوصول إلى اتفاق يضمن استقلال البلاد، في خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا.
بل إن سعد زغلول نفسه أطلق على الحكومة اسم «وزارة الثقة»، وخرجت مظاهرات التأييد في عدد من المدن احتفاءً بها.
عودة سعد زغلول تغيّر المشهد
لكن الأوضاع تبدلت سريعًا بعد عودة سعد زغلول إلى مصر في أبريل 1921، حيث استقبلته الجماهير استقبالًا غير مسبوق، اعتبره الزعيم الوفدي بمثابة تفويض شعبي كامل لقيادة المفاوضات مع بريطانيا.
رأى سعد أن التفاوض يجب أن يتم عبره وحده بصفته زعيم الأمة ورئيس الوفد، بينما تمسك عدلي بفكرة تشكيل وفد رسمي أوسع يضم مختلف الأطراف.
حاول الطرفان الوصول إلى صيغة تفاهم، لكن الخلاف ازداد حدة، حتى أعلن عدلي يكن في تصريحات نشرتها الصحف أنه سيمضي في المفاوضات «بسعد أو بغير سعد».
ورد سعد بانتقاد لاذع، معتبرًا أن الوزارة جاءت عبر السلطان، وأن السلطان نفسه خاضع للنفوذ البريطاني، لتدخل العلاقة بين الرجلين مرحلة الصدام السياسي.
الإسكندرية تتحول إلى ساحة احتجاج
أدى تصاعد التوتر السياسي إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات الشعبية، خاصة في الإسكندرية، حيث خرجت مظاهرات غاضبة عقب خطاب لسعد زغلول، وتحولت الاحتجاجات إلى مواجهات دامية زادت الضغط على الحكومة.
وجدت وزارة عدلي نفسها في مواجهة غضب شعبي واسع، بينما استمر الجدل حول شرعية التفاوض مع بريطانيا ومن يمتلك حق تمثيل الحركة الوطنية.
وفي ظل تصاعد الأزمة، اضطر عدلي يكن إلى الاستقالة، لينتهي الفصل الأول من حكومته.
مفاوضات لندن والاستقالة
رغم الأزمة الداخلية، سافر عدلي يكن لاحقًا إلى لندن في يوليو 1921 على رأس وفد للتفاوض مع بريطانيا، وأجرى مباحثات مطولة مع وزير الخارجية البريطاني اللورد كيرزون.
لكن المشروع البريطاني المقترح قوبل بالرفض من الجانب المصري، فعادت البعثة دون اتفاق في ديسمبر من العام نفسه، وعقب العودة مباشرة، قدم عدلي استقالته، ليكلف السلطان أحمد فؤاد الأول، عبد الخالق ثروت بتشكيل الحكومة الجديدة.
من الأزمة إلى الاستقلال
ورغم فشل المفاوضات، لم تذهب جهود عدلي هباءً، إذ أصدرت بريطانيا في 28 فبراير 1922 تصريح الاستقلال الذي اعترف بمصر دولة مستقلة مع احتفاظ لندن ببعض التحفظات، وبعدها تغير لقب السلطان أحمد فؤاد ليصبح ملك مصر والسودان.
عدلي وسعد.. خصومة بلا قطيعة
ورغم الانقسام السياسي العنيف بين الرجلين، ظل عدلي يكن محافظًا على احترامه لسعد زغلول، ولم يدخل معه في خصومة شخصية، وتذكر المصادر أن عدلي كان دائم السعي لرأب الصدع داخل الحركة الوطنية، بل سبق أن تنازل عن مواقع لصالح سعد في مؤسسات تمثيلية سابقة.

















0 تعليق