وائل السمرى يكتب: الحب والغرابة فى رواية "سامح الفؤاد" لـ إبراهيم عبد المجيد

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لا أتذكر متى أو أين التقيته أول مرة، لكني أذكر جيدا ذلك الارتباك الذي أصابني وأنا أراه، هو ذاته الكاتب الكبير، لكني لم أصدق كيف يكون كاتبا كبيرا هكذا وتكون روحه بمثل هذه الخفة المعجزة؟ وامتد الارتباك حينما تأملت ملامحه عن قرب، تلك الملامح المحفورة كتمثال عتيق، تبدو مربكة في مظهرها وفي جمعها برشاقة مستحيلة بين مهابة ملوك مصر القديمة، وسخرية رسوم الأوستراكا الشعبية..

هو هكذا "إبراهيم عبد المجيد"، دائما ما يجمع بين نقيضين في نسيج متفرد محبب، لا يستغرق وقتا للدخول إلى أقصى الأعماق بأقصى سرعة مدهشة، يضحك وكأنه طفل في عالم اللهو، ويبكي أيضا وكأنه طفل ضائع في مولد، والفارق بين الضحك والبكاء لحظات، وربما تضاءل الفارق ليتلاشى، فتراه يبكي ويضحك في آن، والمدهش في الأمر أنك تستطيع أن تشم رائحة الصدق الصدَّاحة في كل هذه المتناقضات.

سامح الفؤاد
سامح الفؤاد

بين يدي الآن روايته الأحدث "سامح الفؤاد" التي تستطيع أن ترى فيها بسهولة كل خصائص إبراهيم عبد المجيد كأديب وكإنسان، بها من الرشاقة ما تشعر به في روحه، يتنقل بك بين عوالمها الواقعية والغرائبية وكأنه يحملك على كفوف الراحة، كتابة تشبه بساط الريح، ما إن تستقله حتى يتنقل بك من النقيض إلى النقيض، وكأنك في حلم أو غيمة، فتراه صيادا يختال بمركبه على بحيرة أو نهر، ينقل الناس في الـ"معدية" على نغمات أغنية شعبية أو إيقاع موال حزين، وإبراهيم عبد المجيد - في الرواية كما في الحياة - صديق حقيقي، لا يترك يد صديقه إلا بعد الوصول إلى بر الأمان، ولا يترك يد قارئه إلا بعد الوصول إلى شاطئ المتعة.

صفحات الرواية لا تتعدى الـ240 صفحة، تنسرب سريعا بين يديك وكأنك تلهث، ومن وجهة نظري الشخصية فإن التعاطف، أو إن شئت الدقة "التورط"، مع بطل الحكاية هو ما يجعلنا نتمسك بالرواية إلى آخرها، بالإضافة طبعا إلى احترافية السرد، لكن ما لا شك فيه هو أننا نتورط منذ البداية مع "سامح الفؤاد" بطل الرواية، الذي ربما خلق له الكاتب هذا الاسم ليبعث برسالة إلى نفسه أو قارئه معتذرا عن الحب أو عن ضياعه أو مواسيا له.

الرواية ببساطة تدور حول تجربة الحب التي يعيشها "سامح الفؤاد"، ذلك الرجل المشرف على الخمسين من العمر، لكنه مع هذا يحمل قلبا نزقا وكأنه لم يغادر عالم المراهقة، غير أننا مع تطور أحداث الرواية، وبدافع الحب، نراه يتغير شيئا فشيئا، فلا يتعصب لموقف ولا يتورط في معركة، وبعد أن كان يرفض رفضا قاطعا أن يبيع محل بيع الكتب وأدوات الكتابة في الفجالة، الذي ورثه عن أبيه، لنائب مجلس الشعب في التسعينات، نراه - حينما يُسجن هذا النائب وترفع عنه الحصانة - لا يمانع من بيعها لغيره، وكأنه يريد أن يقول إن الزمن ربما يستطيع أن يدير معاركنا أفضل منا، أو كأنه يريد أن يقول إن الحياة أقصر من أن نبددها في المعارك.

  12e6b25ad5.jpg

يمكننا أن نقول دون مواربة إن رواية "سامح الفؤاد" رواية رومانسية في مجملها، يمتزج فيها الخيال بالواقع، فنجد أنفسنا في عالم مشحون بالغرابة، فبطلها "سامح"، كاتب القصة الذي أفنى عمره في الكتابة واللهاث وراء القيمة والجمال، ينسى نفسه حتى يبلغ الخمسين من عمره، ودون سابق إنذار يجد نفسه محاصرا بالحب من كل جانب حينما يرى "ماجدة" مصادفة في مبنى الإذاعة والتليفزيون "ماسبيرو" حينما يذهب لتحصيل مكافأة ظهوره في أحد البرامج، وفجأة ينهار "سامح" في الحب دفعة واحدة، وكأنه كان يدخر كل ما فيه من مشاعر وأحاسيس لتلك اللحظة الفارقة، وببراعة في السرد والتخييل نجد أنفسنا متورطين مع "سامح" في تجربته وتقلباتها.

وبرغم سخونة التجربة التي يعيشها "سامح" وواقعيتها، لكننا نجد أنفسنا محاصرين بالغرابة في صفحات الرواية القصيرة، فمرة نبحر مع البطل في تخيلاته ما بين شواطئ بعيدة وسحب يمتطيها موسيقيون يعزفون روائع الموسيقى الكلاسيكية، وما بين قطع من الملابس التي تطارده وكأنها منفية في بلاد غريبة، فمرة يجد سروالا يتحدث إليه في المقهى، ومرة نجد بعض قطع الملابس الداخلية، ومرة نجد فستانا يبث له همومه بعد أن صار مهجورا، ثم نغرق معه في حين آخر بثورة الفلوس، فتطارده القروش والملاليم لتشكي له فوات الأوان والعجز، ويبث له المليم لوعاته لأنه أصبح نسيا منسيا، بعد أن كانت له قيمة شرائية معتبرة، ثم تجري وراءه "التعريفة" والنص ريال، ليخبروه بقصتهم الحزينة وكيف جار عليهم الزمن وأصبحوا بلا قيمة أو اعتبار.

الغريب في الأمر أن هذه المشاهد، على طرافتها وكاريكاتوريتها، لا تضفي على الرواية قدرا من الكوميديا، لكنها تستجلب الكثير من الأسى، ومنبع ذلك من وجهة نظري أن حالة الحسرة التي تتحدث بها الملابس وأجزاء الجنيه هي في حقيقتها معادل موضوعي لحالة البطل نفسه، كما أن رثاءها لحالها وعجزها عن الفعالية هو في الحقيقة رثاء البطل لحاله، فالملابس التي لم يعد أحد يستخدمها ولم تعد سببا في البهجة أو الأناقة هي نفس البطل التي توقن أنها لم تعد صالحة لهذا الزمن، كما أن عجز القرش أو المليم أو التعريفة أو الريال عن الشراء هو في حد ذاته عجز للبطل ذاته عن مواكبة الحياة أو دفع تكاليف الحب الذي خسره قبل أن يبدأ.

من الجائز هنا أن نقول إن الحب علّم "سامح" أن يسامح، أو أن ينكسر دون ضجيج إن شئت الدقة، حتى بعد أن تركته حبيبته وسافرت، نراه "يتسامح" معها مقتنعا بأن جائزة العاشق هي العشق لا المعشوق، وكأن إدراكه المبكر لعجزه عن الاستمرار في الحب، ورضاه بأن يعيش التجربة على شرط "التجربة"، ما هو إلا دليل على أنه سيرضى بالهزيمة لاحقا، مبررا لنفسه المصير المحتوم، وهو في الحقيقة لم يفاجئنا بهذا المصير، لأنه وضع لنا حالة الحب منذ البداية في إطار من الغرابة واللامعقول، وكأنه يريد أن يقول إن الحب الصادق المحموم أصبح من الأساطير، وأن الزمن لم يعد يعترف به كـ"عملة" قابلة للتداول أو كـ"رداء" صالح للظهور به وسط أناس لم يعرفوا للحب معنى أو قدسية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق