في 17 مايو عام 1805 تولى محمد علي باشا حكم مصر بعد مبايعة شعبية غير مسبوقة، ليبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البلاد انتهت بتأسيس الدولة المصرية الحديثة، بعد سنوات من الصراع بين المماليك والعثمانيين والقوى الأجنبية.
ويُنظر إلى تولي محمد علي الحكم باعتباره نقطة تحول كبرى في التاريخ المصري، إذ شهدت البلاد خلال عهده تغييرات واسعة شملت الجيش والتعليم والزراعة والصناعة والإدارة، ما جعل مصر تتحول إلى قوة إقليمية بارزة في الشرق الأوسط.
من ضابط ألباني إلى حاكم مصر
بدأت رحلة محمد علي السياسية مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، حين انهارت سلطة المماليك أمام الجيش الفرنسي.
ووصل محمد علي إلى مصر لأول مرة عام 1799 ضمن القوات العثمانية التي جاءت لمواجهة الفرنسيين، ثم عاد مجددًا عام 1801 نائبًا لقائد فرقة ألبانية أرسلتها الدولة العثمانية لطرد الحملة الفرنسية.
وبعد خروج الفرنسيين، دخلت مصر مرحلة فراغ سياسي، تنافست خلالها قوى متعددة على الحكم، شملت المماليك وقوات السلطان العثماني والقوات الألبانية بقيادة محمد علي، إضافة إلى زعماء محليين ورجال دين وتجار.
المبايعة الشعبية وعزل خورشيد باشا
مع تصاعد الغضب الشعبي ضد الوالي العثماني خورشيد باشا، اجتمع زعماء الشعب والعلماء في “دار المحكمة” عام 1805، وقرروا عزله واختيار محمد علي واليًا على مصر.
وتُعد هذه الواقعة من أبرز الأحداث السياسية في تاريخ مصر الحديث، إذ كان محمد علي أول حاكم يصل إلى السلطة بمساندة شعبية واسعة.
ووافق محمد علي على تولي المنصب بشرط مشاركة القوى الشعبية في إدارة البلاد، قبل أن يصدر السلطان العثماني سليم الثالث فرمانًا رسميًا بتعيينه واليًا على مصر، تفاديًا لاندلاع اضطرابات جديدة.
تحديات تثبيت الحكم
لم يكن الطريق أمام محمد علي سهلًا، إذ واجه تهديدات متعددة من المماليك والبريطانيين وبعض القوى المحلية.
ويشير المؤرخ خالد فهمي في كتابه «كل رجال الباشا.. محمد علي وجيشه وتأسيس مصر الحديثة» إلى أن النصف الأول من القرن التاسع عشر شهد محاولات متواصلة من محمد علي لجعل حكمه أكثر استقرارًا واستدامة.
وفي تلك المرحلة، كانت سيطرته الفعلية تتركز في القاهرة فقط، بينما بقيت أجزاء واسعة من البلاد تحت نفوذ قوى أخرى.
الحملة البريطانية ومعركة رشيد
دعمت بريطانيا المماليك آنذاك باعتبارهم قوة موازنة للنفوذ العثماني، كما كانت تسعى لتأمين الطريق المؤدي إلى مستعمراتها في الهند.
وفي عام 1807 شنت القوات البريطانية حملة على الإسكندرية ورشيد، لكن قوات محمد علي تمكنت من صد الهجوم وإفشاله، وهو ما عزز موقعه السياسي والعسكري داخل مصر.
مذبحة القلعة.. نهاية المماليك
جاء التحول الأبرز في عام 1811، حين دعا محمد علي قادة المماليك إلى حضور احتفال عسكري داخل قلعة صلاح الدين بمناسبة خروج حملة عسكرية بقيادة ابنه طوسون باشا لاستعادة مكة والمدينة من الدولة السعودية الأولى.
وخلال الاحتفال، أُغلقت أبواب القلعة على المماليك، وهاجمتهم قوات الباشا من أعلى الأسوار، فيما عُرف لاحقًا باسم “مذبحة القلعة”، التي أنهت النفوذ المملوكي في مصر بشكل شبه كامل.
بناء الدولة الحديثة
بعد تثبيت حكمه، بدأ محمد علي تنفيذ مشروع واسع لإعادة بناء الدولة، شمل إنشاء جيش نظامي حديث، وإطلاق نظام الاحتكار الاقتصادي، والتوسع في الزراعة والصناعة، وإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا.
كما أسس المدارس العسكرية والطبية والهندسية، وأعاد تنظيم الإدارة الحكومية، لتدخل مصر مرحلة جديدة من التحديث استمرت آثارها لعقود طويلة.
وبين المبايعة الشعبية عام 1805 ومذبحة القلعة عام 1811، رسم محمد علي ملامح مشروع سياسي غيّر وجه مصر، ووضع الأساس لما عُرف لاحقًا بالدولة المصرية الحديثة.
















0 تعليق