خالد دومة يكتب: قلب لا ينام

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن الليل يأتي هادئًا كما يظن الناس, كان يدخلني كأنه يعرف الطريق إليّ منذ البداية، كأنه لا يزورني بل يعود إلى مكانه الطبيعي داخلي. ومعه تبدأ تلك الحركة الخفية في رأسي، كأن شيئًا غير مرئي يفتح أبوابًا داخلية واحدة تلو الأخرى, في البداية تكون الفكرة خفيفة، كظلّ عابر على جدار العقل, ثم لا تلبث أن تتكاثر، كأنها تتناسل في صمت، حتى يصبح رأسي مدينة لا تنام، لا لأن فيها حياة، بل لأن الحياة فيها فقدت معناها.

أحيانًا أسأل نفسي: هل أنا الذي أفكر؟ أم أن الأفكار هي التي تستخدمني لتفكّر في نفسها؟ لا فرق كبير في البداية، لكن الفارق يتحول إلى جرح مع الوقت.


في هذه المدينة الداخلية لا توجد خرائط, كل طريق ينتهي إلى نفس المكان: مزيد من الأسئلة, وكل سؤال لا يقود إلى جواب، بل إلى سؤال أشد قسوة، كأنه يولد من الألم لا من العقل.


أحاول النوم، لكن النوم لا يأتي كنعمة, يأتي كغريب يمر بي دون أن يلتفت، ثم يضحك في داخلي، ويتركني مع يقظةٍ أشبه بالاحتراق البطيء.
هناك، في العمق، لا شيء يشبه السكون, حتى الصمت يبدو مشغولًا، كأنه يخفي خلفه حركة خفية، كأن العالم لا يتوقف عن العمل حتى حين ينام, وأسمع… لا، لا أسمع من الخارج، بل من الداخل: صوتًا يشبه خطوات لا تُرى، كأنها تمشي في ممرات الدماغ، تطرق جدران الوعي طرقًا خفيفًا أولًا، ثم يتحول إلى طرقٍ أشبه بالنداء.


من الذي يناديني؟ أنا؟ أم شيء آخر تشكّل مني ثم بدأ يستقلّ عني؟ في لحظة ما، أشعر أنني لست ساكنًا داخل جسدي، بل محاصر داخله, كأن الجسد ليس بيتًا، بل سجنٌ لا يملك أبوابًا.


ثم تأتي الفكرة الكبرى، تلك التي لا تأتي وحدها أبدًا: أن كل ما أعيشه ليس إلا صدى لشيء أكبر يحدث في مكان لا أراه, كأن حياتي ليست حياة، بل أثر حيا, وفي هذا الأثر، يتداخل الحلم مع اليقظة، حتى لا أعرف أين يبدأ أحدهما وينتهي الآخر, النهار لا يوقف الليل داخلي، بل يغيّر شكله فقط.


أمشي بين الناس بجسد يبدو ثابتًا، لكن داخلي كان يمشي في اتجاهات لا تنتهي, أبتسم أحيانًا، ليس لأن فيّ ابتسامة، بل لأن الوجه تعلّم أن يخفي ما لا يمكن احتماله.


وفي لحظة ما، يتعب الألم من نفسه,ليس لأنني تغلبت عليه، بل لأنه أدرك أن تكراره صار بلا جدوى,فيهدأ قليلًا… ثم يعود بشكل آخر, كنت أظن أن العذاب حدث, لكنني بدأت أراه نظامًا ليس طارئًا، بل طريقة وجود.


وحين يصل الفكر إلى هذا الحد، لا يعود السؤال: “لماذا أنا؟”


بل يصبح: “هل هناك خارج هذا كله أصلًا؟ أم أن العالم كله مجرد داخل كبير، ونحن لا نملك خارجه؟


في تلك الليالي، كنت أشعر أنني أقف على حافة شيء لا اسم له ليس حزنًا، ولا فرحًا، ولا حتى يأسًا بل حالة ثالثة، لا تعرفها اللغة، لكنها تعرفني جيدًا.


وحين يقترب الفجر، لا يحدث خلاص فقط يتعب الليل، فينسحب قليلًا، ويتركني مع بقايا نفسي، كمدينة أنهكها عبور جيش لم يعلن اسمه وأبقى هناك، بين يقظة لا تهدأ، ونوم لا يأتي، أتعلم شيئًا واحدًا فقط.


أن الإنسان لا يعيش ما يراه, بل يعيش ما يفكر فيه حين يظن أنه لا يفكر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق