إذا تحدثنا عن الحركة العمالية المصرية فلابد أن نذكر بالخير الأستاذ أمين عز الدين، فهو بحق مؤرخ الطبقة العاملة، ويكاد إنتاجه التأليفى ينحصر فى هذا المجال، فمن ينسى كتابه "تاريخ الطبقة العاملة المصرية منذ نشأتها حتى سنة 1919"، وكتابه "تاريخ الطبقة العاملة 1919 – 1929"، وروايته "الفيلق" وهى الرواية الوحيدة له المنشورة قبل رحيله بفترة قصيرة، وتتحدث عن إجبار الفلاحين المصريين على العمل سخرة فى خدمة المجهود الحربى لجيش الاحتلال الإنجليزى خلال الحرب العالمية الأولى؟ ومن ينسى كتابه "شخصيات ومراحل عمالية"؟ لهذا سأتناول هؤلاء الشخصيات بشىء من التخليص، محاولا توضيح دورهم تجاه قضايا العمال، والكتاب صدر فى مايو 1970، وهو العدد 16 من سلسلة كتاب الجمهورية.
محمد فريد
يعد الزعيم محمد فريد من الذين اهتموا بقضايا العمال، فعندما تولى قيادة الحزب الوطنى فى 14 فبراير 1908، حدث تغير عميق وتحول كبير فى حياة الحزب، حيث الاتجاه نحو الطبقة العاملة والصناع والحرفيين للدفاع عنهم والمطالبة بحقوقهم، كذلك الاعتماد على فكرة التنظيم، أى تنظيم الحزب وقواعده الشعبية، وبدأ محمد فريد نشر سلسلة من المقالات ينتقد فيها سياسة الحكومة نحو العمال وإغفالها إصدار التشريعات الكفيلة بحمايتهم، ومن ذلك قوله: "إلى الآن لا توجد بمصر قوانين خاصة بحماية العمال ولا قوانين تحدد سنهم ولا عدد الساعات التى يجب أن يقضوها فى العمل، فنجد العمال مثقلى الكواهل بلا رحمة خصوصا فى معامل الدخان ومعامل حليج الأقطان، حيث يشتغل الأطفال ذكورا وإناثا فى وسط من أردأ الأوساط من الوجهة الصحية والأدبية".
لما كان محمد فريد مقتنعا بضرورة استناد الحزب إلى قاعدة عريضة ومنظمة من أكثر الفئات الاجتماعات ثورية وهى العمال والفلاحون والمثقفون، فقد اتجه إلى تنظيم هذه الفئات وربطها بالحزب الوطنى، فأنشأ للعمال نقابة الصنائع اليدوية، وللفلاحين النقابات الزراعية (التعاونيات)، وللمثقين أنشأ مدارس الشعب لتعليم العمال ونادى المدارس العليا للطلبة والخريجين، ولم تسلم جهود محمد فريد من الضربات التى تلقاها من الاحتلال الإنجليزى، إذ تعرض الحزب الوطنى لاضطهاد مرير من جانبه، ونفى الزعيم عام 1912، وقررت سلطات الاحتلال إغلاق الحزب ونقابة الصنائع اليدوية ومدارس الشعب، وطاردت من بقى من قادتها.
محجوب ثابت
أما الشخصية الثانية التى اهتمت بقضايا العمال فهو الدكتور محجوب ثابت، ورغم تعدد المجالات التى برع فيها، فقد كان طبيبا وسياسيا وأديبا وشاعرا وفارسا من فرسان الفكاهة ومصلحا اجتماعيا ونائبا فى البرلمان وقانونيا يدرس الطب الشرعى، فإنه يتزعم النقابات ويدافع عن العمال، انضم محجوب ثابت إلى نقابة الصنائع اليدوية التى أنشأها محمد فريد، وطالب بضرورة العناية بالتعليم الفنى وجعله إجباريا وتنمية العمل اليدوى، ومع ثورة 1919 شغل منصب رئيس نقابة الصنائع التى جددت نشاطها بعد انتهاء الحرب، وحرص على توفير الخدمات المباشرة للأعضاء، فأنشأ جمعية تعاونية لبيع المواد الغذائية وحاجات المنازل العادية بأسعار معتدلة، واهتم بتعليم الكبار ومحو الأمية وعلاج الأعضاء وأسرهم. كما تصدى للمحاولات التى بذلتها الوزارات لردع النشاط النقابى وتقييد الحريات النقابية، وتصدى للتعديلات التى أدخلت على قانون العقوبات لتحريم الإضراب فى المصالح ذات النفع العام.
تولى محجوب ثابت رئاسة النقابة العامة لعمال القطر المصرى، ووصفه الشيخ عبدالعزيز البشرى عام 1926 قائلا:"أصبح الدكتور ثابت نقيبا لعمال العنابر ولفافى السجائر وسواقى الأوتومبيلات وشيالى المحطات وجميع طائفة المعمار وأصحاب الحوانيت من بدال وبقال وجزار وعمال المطابع وكناسى الشوارع ومساحى الجزم".
وفى عام 1928 أطلق نداءاته الشهيرة، ناشد فيها العمال أن يبتعدوا عن الحزبية وأن يتولوا أمورهم بأيديهم، فقال:"أيها العمال، جانبوا الأحزاب لمصلحتكم ومصلحة وطنكم. لا تكونوا مطايا للأشخاص، احذروا الزعماء والمتزعمين وسماسرتهم المستغلين، لا تتحزبوا بل قفوا من الأحزاب موقفا سلبيا.."، وبهذا النداء خسر جميع الأحزاب. وفى عام 1929 قدم مشروع قانون للعمل وهو يعد وثيقة مهمة فى تاريخ الطبقة العاملة.
سيد درويش
ليس بمستغرب وضع سيد درويش ضمن الشخصيات الوطنية التى تزعمت الدفاع عن العمال، بل المستغرب حقا هو عدم ضمه إليها، وذلك لأنه كان يؤازر الطوائف الحرفية المنهارة أو المقهورة، فقد اندثر كثير منها بسبب شركات الاحتكار الأجنبى فى المرافق وجلبها العمال الأوروبيين. ويكفى أن نعلم عدد طوائف المحروسة بلغ – كما يذكر على مبارك فى خططه- 198 طائفة، وعدد العاملين بتلك الحرف بلغ ثلاثة وستين ألفا وأربعمائة وسبعة وثمانين شخصا، ومن أسماء هذه الحرف والصناعات "الدقاقين والقزازين والشبكشية والغرابلية والنشارين والقصاصين والسيوفية والصرماتية والعقادين والبلغاتية والإسكافية والمبلطين واللبانة والقشاطة والخرازين والقفاصة والمدابغية والحرارية والسروجية والسقايين والآلاتية والترشجية، وغيرها من أسماء الحرف المتعددة التى اندثرت بسبب التطوير فى أساليب الحياة وفى الأذواق متابعة للمستهلكين الجدد من سلطات الاحتلال وأتباع الخديو وكبار رجال الدولة والموظفين، ومع تغيير المطالب اليومية لهؤلاء المستهلكين ظهرت الحاجة إلى سلع وخدمات لم يكن الصناع الحرفيون التقليديون بقادرين على سدها.
هنا أشفق سيد درويش على الطوائف التى كانت تعانى وأوشكت على الاندثار، فغنى لكل الصنايعية وما جرى لهم على أيدى العمال الأجانب:
طلع النهار فتاح يا عليم
والجيب ما فيهش ولا مليم
مين فى اليومين دول شاف تلطيم
زى الصنايعية المظاليم؟
أولاد أوروبا ما بيناموش
عن الصنايع ما يونوش
الأفرنجى دايما حلق حوش
والمصرى جانبه يطلع بوش
سبع صنايع فى إيدينا
والهم جاير علينا
ياما شكينا وبكينا
يا أغنيا له ما ستعدوش
وكذلك لم يتوقف سيد درويش عن الهجوم على الشركات التى أثرت أعمالها مباشرة فى حياة الحرفيين، فيهاجم شركات المياه لأجل السقايين، ومن أجل الحمارين والعربجية هاجم شركات الترام، فغنى للسقايين:
يعون الله
يعوض الله
على السقايين دول شقيانين
متعفرتين م الكوبانية
خواجاتها جونا
حيطفشونا
ليه بيرازونا
دى صنعة أبونا
متعبرونا يا خلايق
ويستمر فى هجومه على الشركة ويحذر الناس من شرب مياهها:
دى شركة غلسه
ميتها نجسه
تلقاها حدقه
وخضرة وزرقة
ويقولوا رايقة
يا أخى ها أو
أخيه عليها
بيحطوا فيها
كاربونات ونبيت
وسلفات كبريت وبدرة عفريت ها أو
أما الحل من وجهة نظره فهو تكسير الحنفية، فيقول لربات البيوت:
روحى الوى بوزك
فى وش جوزك
وانزلى تكسير
فى الحنفية
كل هذا من أجل أن يستعيد "السقايين" سوقهم الراكد، وأن يزدهر نشاطهم مرة أخرى.
وينصح العربجية الذين توقف حالهم بسبب شركات الترام بعدم تعاطى المخدرات، فيقول:
اوعى يمينك اوعى شمالك
اوعى الأزمة توقف حالك
اوعى وشك اوعى ضهرك
اوعى فوقك اوعى تحتك
اوعى م الكوكايين يلحس مخك
اوعى الجوزة تطير عقلك
عزيز ميرهم
أما عزيز ميرهم فهو محامى الطبقة العاملة، وكان ينزع إلى الاشتراكية بل كان متطرفا فيها، ومن أفكاره إلغاء الملكية الخاصة وحق الشعب فى الخدمات والحد من الاستغلال الاجتماعى، واشترك مع ثلة من المثقفين، من بينهم منصور فهمى والدكتور محمد حسين هيكل ومحمود عزمى وآخرون، فى أعقاب الحرب العالمية، فى إنشاء الحزب الديمقراطى. ومن مبادئ هذا الحزب ترقية الطبقات العاملة أدبيا وماديا وإعانة من لا يستطيع العمل. وقد أعطانا هيكل فى مذكراته السياسية وصفا دقيقا لنشأة هذا الحزب، وكان هيكل متطرفا فى الحرية الفردية ومن رأيه دعم الملكية الخاصة، ما جعل الشيخ مصطفى عبدالرازق إلى التوفيق بين الاثنين، لكن الحزب لم يستمر طويلا؛ إذ انهار عام 1921.
ارتبط عزيز ميرهم بعدد من النقابات العمالية بصفته محاميا أو مستشارا لها، فى الفترة (1920 -1924)، وعرف عنه قدرته على المفاوضة باللغة الفرنسية وقدرته على صياغة مطالب العمال وبيانات النقابات بهذه اللغة. ومن أبرز مواقفه أنه لما فصل عمال الدخان والسجائر نتيجة إحلال الآلات الحديثة محل العمل اليدوى، اتجه إلى تأسيس شركات للدخان والسجائر يمتلكها العمال المفصولون ويعملون بها بعيدا عن سطوة أصحاب المصانع. وتعد هذه الفكرة، إنشاء شركات يملكها العمال، من الأفكار التى طالما راودت الطبقة العاملة وقياداتها الاشتراكية سنوات طويلة فى أوروبا. وهذه الدعوة أو الفكرة لم تلق ترحيبا من سلطات الاحتلال لأنها رأت فى دعوة عزيز ميرهم تهديدا للكيان الاقتصادى الرأسمالى.
ظل عزيز ميرهم يدافع عن العمال، وطالب بمزيد من المكاسب لهم وخاصة من خلال التشريعات البرلمانية، وتوجت حياته ونضاله عندما اختير عام 1937 رئيسا للمجلس الأعلى للاتحاد العام لنقابات العمال، لكن العمر لم يمتد به طويلا.


















0 تعليق