شهدت أوروبا في أوائل القرن الخامس عشر واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، حيث اجتمع مجمع كونستانس عام 1414، بدعوة من الإمبراطور الروماني المقدس، لوضع حد لأزمة غير مسبوقة تمثلت في وجود ثلاثة باباوات في الوقت نفسه، بعد انقسام دام منذ عام 1378.
ونجح المجمع، الذي أعلن امتلاكه سلطة مباشرة من المسيح تفوق سلطة البابا نفسه، في إنهاء هذا الانقسام بحلول عام 1418، إلا أنه لم يقتصر على ذلك، بل اتجه أيضًا إلى مواجهة التيارات الإصلاحية داخل الكنيسة.
وفي عام 1415، أدان المجمع أفكار الكاهن التشيكي يان هوس، واعتبرها هرطقة، ليتم إعدامه حرقًا في مدينة كونستانس، كما امتدت الإدانة إلى مفكر إنجليزي كان قد توفي قبل ذلك بسنوات، هو جون ويكليف.
جون ويكليف.. مفكر سابق لعصره
وُلد جون ويكليف في إنجلترا خلال عشرينيات القرن الرابع عشر، ودرس في جامعة أكسفورد، حيث أصبح لاحقًا أحد أبرز علماء اللاهوت. عُرف بجرأته الفكرية، إذ تبنى آراء اعتُبرت صادمة في زمانه.
فقد رأى أن الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد للحقيقة الدينية، وأنه يجب على المسيحيين الاعتماد عليه بدلًا من تعاليم الباباوات ورجال الدين، التي وصفها بأنها قد تكون منحازة أو غير دقيقة.
كما هاجم السلطة الواسعة التي تمتعت بها الكنيسة، وانتقد ثرواتها، ورفض ممارسات مثل بيع صكوك الغفران، والحج، والتبتل الإجباري لرجال الدين، بل واعتبر أن فساد بعض رجال الدين يفقد الطقوس الدينية مصداقيتها.
دعوة لفصل الدين عن السلطة
لم تقتصر أفكار ويكليف على الجانب الديني، بل امتدت إلى السياسة، حيث دعا إلى استقلال الحكم في إنجلترا عن سلطة البابوية، مؤكدًا أن البلاد يجب أن تُدار بواسطة ملوكها دون تدخل الكنيسة.
وفي أحد أشهر نصوصه، قال: "إنجلترا لا تتبع أي بابا، فالبابا مجرد إنسان معرض للخطأ، بينما المسيح هو رب الأرباب، وهذه المملكة يجب أن تخضع له وحده."
أول ترجمة إنجليزية للكتاب المقدس
كان من أبرز إنجازات ويكليف دعوته إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية، حتى يتمكن عامة الناس من قراءته وفهمه، وهو ما تحقق بالفعل عام 1382، في أول ترجمة كاملة للكتاب المقدس إلى الإنجليزية، والتي لاقت انتشارًا واسعًا في مختلف طبقات المجتمع.
نهاية هادئة.. وعقاب بعد الموت
توفي ويكليف عام 1384 بعد إصابته بسكتة دماغية، ودُفن في بلدته لوتروورث، لكن ذلك لم ينهِ الجدل حول أفكاره.
ففي عام 1428، وبعد قرارات مجمع كونستانس، تم استخراج رفاته من قبره، وإحراقها، ثم نثر رمادها في نهر قريب، في محاولة رمزية لمحو تأثيره.
أتباعه وتأثيره الممتد
عرف أتباع ويكليف باسم "اللّولارد"، وهي تسمية أُطلقت عليهم على سبيل السخرية، وقد تعرض كثير منهم للاضطهاد، بل وأُعدم بعضهم بتهمة الهرطقة.
ورغم ذلك، استمرت أفكارهم في الانتشار، وامتد تأثيرها إلى حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، حتى لُقّب ويكليف لاحقًا بـ"نجم الصباح للإصلاح الديني".















0 تعليق