خالد دومة يكتب: إرادة المرأة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ما قيمة الحياة إن لم يخض الإنسان غمارها كفاحًا؟ فهي ليست طريقًا سهلا ممهدًا، بل ساحة اختبار وإرادة، يواجه فيها المرء ذاته قبل أن يواجه العالم، ويسعى من خلالها إلى معنى يمنح وجوده قيمة، ومن يظفر بهذا المعنى، إنما يظفر بنفسه.


غير أن التأمل في واقع المرأة اليوم يثير دهشتنا ويبعث القلق؛ إذ يبدو أن بعضهن يقفن أمام ضغوط الحياة موقفًا سوداويا، لا لعجزٍ أصيل، بل لظروف معقدة أضعفت القدرة على المواجهة. وهذه الملاحظة لا تُعمّم، فالتاريخ القريب والواقع المعيش يشهدان بنماذج لنساء حملن من أعباء الحياة ما يفوق طاقة كثير من الرجال، فصمدن، وأدرن شؤون أسرهن بوعيٍ وقوة، حتى غدت بعضهن عمادًا حقيقيًا لأسرٍ كاملة.


وفي البيئات البسيطة، تتجلى هذه القوة بوضوح؛ حيث تعمل المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل، تقتصد، وتدبر، وتتحمل قسوة العيش دون ضجيج. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة أفرزت تحديات جديدة، جعلت بعض الفتيات يدخلن معترك الحياة دون إعدادٍ كافٍ، فتتآكل قدرتهن على الصمود أمام الضغوط النفسية أو المادية، فيقعن في دائرة الإحباط، وقد يدفعهن ذلك أحيانًا إلى قرارات قاسية بحق أنفسهن.


ويبرز من بين هذه التحديات عبء التوازن بين أدوار متعددة؛ فالمطلوب من المرأة اليوم أن تكون أمًا واعية، وشريكة فاعلة، وقادرة على مواكبة عالم سريع التغير. وفي ظل هذا التعقيد، قد تجد نفسها وحيدة في مواجهة المسؤوليات، سواء لغياب الزوج أو لانشغاله الطويل. وهنا يصبح الوعي ضرورة لا خيارًا؛ إذ لا يمكن إدارة هذه الأدوار دون فهمٍ عميق لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.


ولا يقل خطرًا عن ذلك اختزال دور المرأة في مظهرها الخارجي، على حساب بناء عقلها وثقافتها. فكيف يُنتظر منها أن تُنشئ جيلًا واعيًا، وهي لم تُمنح فرصة كافية لتكوين وعيها؟ إن تغييب العقل لا ينتج إلا أدوارًا ناقصة، مهما بدت مكتملة من الخارج. ومن هنا، فإن حرمان الفتاة من التعليم، أو دفعها إلى الزواج المبكر، لا يمثل مجرد قرار اجتماعي عابر، بل هو إضعاف مباشر لقدرتها على فهم الحياة وإدارتها.


كما أن بعض الممارسات، كالسعي إلى حلول شكلية للمشكلات الزوجية أو الاجتماعية، تكشف عن غياب الوعي أكثر مما تقدم حلًا حقيقيًا. فالعلاقات التي تُبنى دون نضج كافٍ، أو خارج إطار من المسؤولية الواضحة، كثيرًا ما تنتهي إلى أزمات يتحمل تبعاتها الطراف الأضعف، وفي مقدمتهم المرأة.


إن القضية في جوهرها ليست قوة المرأة أو ضعفها، بل في الشروط التي تُبنى فيها هذه القوة. فالقوة لا تُولد من الفراغ، بل تُصنع عبر التعليم، والخبرة، والوعي، والقدرة على الفهم والتكيف. وحين تتوافر هذه العناصر، تظهر المرأة قادرة على مواجهة الحياة، لا بوصفها طرفًا تابعًا، بل فاعلًا حقيقيًا في تشكيل واقعها.


لذلك، فإن بناء المرأة الواعية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة مجتمعية. فهي ليست فقط نصف المجتمع، بل هي التي تُنشئ جيلا كاملا يقوم على عاتقه مستقبل أمة. وإذا أُريد لمجتمعٍ أن ينهض،  فلا بد من تمكين المرأة من أدوات الفهم، ومنحها المساحة التي تنمو فيها إنسانيًا وفكريًا، لتكون قادرة على صناعة الحيل القادم الذي تقوم بتنشئته.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق