خالد دومة يكتب: بين أروقة الوجع

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

حين يكون الموت قريبًا منك، تتغير مفاهيم أشياء كثيرة؛ تتبدّل معانيها ومراميها، حتى ألوانها وأشكالها. يصبح كل شيء مختلفًا تحت ظله. فالموت، ذلك الكامن خلف الأفق، يتربص بنا في صمت، ويعيد تشكيل رؤيتنا للعالم.


إنه مرعب، لا لأنه النهاية فحسب، بل لأنه يقف بينك وبين ما تؤمن به، خطوات قليلة تدفعه إليك بقوة، بينما أنت ممتلئ بما يربك نفسك ويثقلها. نحاول أن نهرب منه قليلًا، ولو مؤقتًا، لعلنا نصبح أفضل مما نحن عليه، لكن الأيام تمضي مسرعة، ولا وقت لدينا.


ذهبنا إلى المستشفى، نسابق الزمن. وهناك، في عالم المستشفيات، ترى ما يضعضع النفوس ويرهبها؛ ترى ما تستثقله الروح، فتحمد الله أن ما أصابك أقل مما ترى، أو أهون مما كنت تتخيل. وما إن تجتاز الباب الرئيسي، حتى تشعر أنك في رحاب الموت، أو على مقربة منه.


تراه في العيون، وعلى الرؤوس، يمر بالقرب منك، يجالس آخرين، يطوف حول الأعناق. ترى الضعف والوهن والانكسار في كل شيء. الإنسان، بضعفه، لا يختار مرضه؛ الكبير والصغير سواء هنا.


رأيت ذلك العجوز تحمله امرأتان بينهما، يتهادى جسدهما بثقله. ورأيت طفلًا صغيرًا على كتف أبيه، لا يدرك ما حوله. كان مبصرًا يومًا ما، كما يقول أبوه، لكنه الآن أعمى، يحارب ليستعيد بصره. ما زال في بداية الطريق… يحمله أبوه اليوم، فمن يحمله غدًا؟ ومن يأخذ بيده في عالم لا يرحم؟.


وتلك المرأة المسنّة، تتوكأ على ابنتها الصبية، التي بالكاد تقوى على حملها، تحاول أن تخفي ألمها كي لا تثقل على أمها. وذلك الشاب الوسيم، يحمل بين جنبيه همّ مرض فتاك، قد يمهله سنوات، وربما أشهر، ثم يفتك به.


عيناي تتجولان في أروقة المستشفى: بين مريض ومريض، ألم وألم، آهات هنا وآهات هناك. دم وقيح، عيون ذابلة، ووجوه أنهكها المرض. وإن صادفتك ابتسامة، فهي محاولة خجولة لتخفيف العبء عن آخرين يتلاشون ببطء.

 

حتى الأصحاء الذين يرافقون المرضى، يتألمون. يقاتلون من أجل إنقاذ حياة تعني لهم الكثير. تشعر أن روحك تتعثر فيما ترى، وأن شيئًا في داخلك يتهدم ببطء. أنت أيضًا تموت فيك أشياء.


ولعلك تبقى من أجل آخرين، لكنك تتساءل: إن كنت اليوم أرافق مريضًا، فمن سيرافقني غدًا؟ من يأخذ بيدي حين تخذلني قوتي، ويضعف جسدي؟.


تمضي الحياة، تقذف بنا، ثم تأتي بغيرنا. تلتهمنا، وتدور رحى الموت على رقاب البشر، تطحن بلا توقف. كانت هذه الزيارة الأولى، بداية الرحلة… قد تقصر أو تطول، لكنها في النهاية ستنتهي. تنقطع خطواتنا، وتدب فوق الأرض خطوات مريض آخر، يرافقه آخرون.


وتظل جدران المستشفى شاهدة على أفواج لا تنتهي: وجوه تأتي وترحل، وأخرى تخلفها، في دورة لا تتوقف.
وكلما حاولت أن أتناسى ما يدور حولي، باغتني ما هو أشد وأقسى. شيء يقلب أحوال الإنسان، ويترك أثرًا عميقًا في داخله. لعل هذا الشعور يزول يومًا، أو لعل العين تعتاد رؤية ما هو أسوأ، فلا تعير له شأنًا، حين تتبلد النفس، وتموت المشاعر من كثرة ما ترى.


كنت أمني نفسي بعد المرة الأولى أن الأمر سيهون، وأن القلب سيعتاد، لكن ذلك الكم الهائل من الألم يظل يتدفق إلى الداخل. وربما… قد يموت القلب في زحام ما يرى.


الحياة، بما يصيبها من وجع، تختل معانيها. الألم ثقيل، يثقل البعض حتى الانكسار، ويمر بالبعض الآخر خفيفًا عابرًا، يزور ويرحل. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان معلقًا… حتى يأتي يوم، وينتهي كل شيء.

أخبار ذات صلة

0 تعليق