إنَّ الفضيلة التي تعرف طريقها إلى قلب الإنسان تكون هي المحرِّك لأفعاله تجاه ما يقابله من أحداث ومواقف؛ فتظهر على لسانه، ويتسم بها عمله، فلا تترك موقفًا إلا ولها فيه تأثيرٌ واضح, أمَّا أصحاب الفضائل المتوارثة، فقد تجد أحدهم يُنزِّه نفسه عن فعلٍ معين، ثم يقع فيما هو أشدُّ قبحًا منه دون أن يدرك ارتباط هذا بذاك؛ فلا يمدُّ يده إلى جيوب الناس سرقةً، ولكنه يغشُّ في بضاعته، أو يطلب لها سعرًا يفوق قيمتها، ويرى أن ذلك لا يتعارض مع الفضيلة التي يدَّعيها.
الغني المحتال
رأيتُ صفقة بيعٍ لتاجرٍ يُقال عنه: صاحب ضمير حي ونزاهة في البيع والشراء. فهو تاجرٌ معروفٌ بالأمانة؛ غير أنك تراه عند الشراء يُبخِس السلعة، ويُعدِّد عيوبها عيبًا بعد عيب، حتى يُقلِّل من ثمنها ويجعلها بائرةً غير مرغوبٍ فيها، فينجح في اقتنائها بأقل سعر. ولو لم يوافق البائع، لخسر أيضًا بعد أن ألحق بها هذا البخس في نظر السوق. فيبيع الرجل وفي قرارة نفسه أنه قد ظُلِم، ولا حيلة له, فإذا باع التاجر نفسه هذه السلعة أو العقار، قلب العيوب إلى مزايا، وغالى في السعر حتى يضاعف مكاسبه أضعافًا كثيرة. وهو في قرارة نفسه يرى أنه يمارس التجارة، وأن «التجارة شطارة»، مستندًا إلى قول الله عز وجل: أحلَّ الله البيع وحرَّم الربا؛ فيبرر لنفسه ما يفعل، دون أن يُصرِّح بسعر الشراء ولا البيع.
وبين البخس والغلاء، جمع ثروة لا بأس بها، لكنها في حقيقتها ليست إلا نتاج استغلالٍ لجهد الناس وعرقهم ومعاناتهم. انما هي دماء ولحوم اقتات عليها الرجل من أجساد الناس, وقد اكتسب سمعةً وصيتًا مكَّناه من التصرُّف كيف يشاء في سوق البيع والشراء, إن هذا الرجل لا يؤنبه ضمير؛ فهو يُصلِّي، ويحج، ويعتمر كل عام, ويرشي الله على طريقته من الجهل وعدم الفهم بذبيحة أو اثنتين في المناسبات الكبرى, ويتقرَّب بالصدقات، كأنما يُقدِّم رشوةً لضميره ليصمت، أو ليغتسل من آثار ما اقترفه من ظلم,ٍ فهو يغتسل من أثر دم المبخوسين ودم المغرر بهم في الأسواق.
ويحتال كثيرٌ من الناس للوصول إلى الثروة بأساليب تُسكِت ضمائرهم، وتُخدِّر عقولهم، بما يقدِّمونه من صور الإحسان الظاهري، ظنًّا منهم أن ذلك يُكفِّر عن فساد الوسيلة وسوء الغاية.
إن الكَلاحة ليست في وجهه، بل في ضميره ونفسه؛ حيث تكمن الخِسَّة، ولا تظهر على الملامح, فابتسامته الصافية التي يواجه بها الناس، تخفي وراءها طويةً خبيثة لا تعرف معنى الأمانة في البيع والشراء, وأمثال هؤلاء يتصدرون المشهد في مجتمعاتٍ يقلُّ فيها العلم، أو تغيب فيها الثقافة الحقيقية، لتحلَّ محلها ثقافة التحايل والخبث وانعدام الضمير. فإذا نال هؤلاء الثناء، كان ذلك نذيرَ مرضٍ يصيب المجتمع، فينخر فيه كالسوس؛ فتضيع القيم، وتموت الذمم، وتتحول الأخلاق إلى مظاهر، والعبادة إلى طقوسٍ تؤدَّى في نفوسٍ فارغة من المعنى ومن كل أدب.
















0 تعليق