عالجنا في المقال الأول هوية مصر وعلاقاتها الإفريقية باعتبارها دولة مولودة في إفريقيا، والقسم الأكبر منها يقع في هذه القارة، ومن ثم عرجنا في المقال الثاني على هوية مصر وعلاقاتها مع الشرق الآسيوي.
وفي هذا المقال نحاول أن نحلل علاقة مصر بعالم البحر المتوسط، وعلى وجه التحديد حوض البحر المتوسط والدول المطلة عليه، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: هل مصر أمة غربية أو شرقية؟ ويبدو أن هذا السؤال قد تسبب في حيرة شديدة للمؤرخين العرب، فجعلنا بعضهم من أهل الغرب، ومن هؤلاء ابن سعيد، العالم الجغرافي المغربي، وهو العالم الجغرافي الشهير الذي قسم العالم إلى قسمين: قسم غربي وقسم شرقي، ووضع مصر في القسم الغربي من العالم.
والواقع أن علاقات مصر مع الأمم الواقعة على شواطئ البحر المتوسط كانت دائمة ومستمرة، سواء في العصور القديمة أم في العصور الإسلامية أو حتى في العصور الحديثة والمعاصرة، ولا نبالغ إذا قلنا إن مجال مصر الحيوي كان حوض البحر المتوسط، وإذا تأملنا حضارة وآثار مصر القديمة سوف نلاحظ أنها لم تنتمِ في مجملها لحضارات شرقية، وأنها كانت في جوهرها بعيدة كل البعد عن الطابع الشرقي في الحضارة.
وليس من قبيل المبالغة أن الأبحاث الأثرية أثبتت أن الحضارة المصرية القديمة هي الأساس والجوهر لأعرق الحضارات وأخلد الحضارات الغربية، ومن الأشياء التي تركها المصري القديم في هذه الحضارات العناية بمكانة المرأة وعدم إبعادها عن الحياة العامة، بل كانت المرأة في الحضارة المصرية في مستوى لائق، وكانت تُلقب بربة البيت أو سيدة المنزل.
كما كان المصري لا يستكثر من النساء كما هي عادة أهل الشرق، ولم يفعل ذلك إلا طبقة الملوك، وهكذا نجد أن مصر القديمة قد أعطت المجتمعات الغربية مجموعة من القيم الإنسانية النبيلة في نظرتها للمرأة ودورها في المجتمع، وحريتها ومساواتها بالرجال في معظم الأحيان، وربما لا يمكن أن نرى مجتمعًا شرقيًا نظر إلى المرأة هذه النظرة المصرية، وربما كان من ضمن أسباب انهيار المجتمعات الشرقية ظلم المرأة وامتهانها وإبعادها عن ميادين العمل، وهكذا فإن نظرة المصري للمرأة كانت تتشابه مع نظرة معظم شعوب البحر المتوسط.
وربما كانت الآثار المصرية المصورة والآثار المصورة في عالم البحر المتوسط تتشابه في كون أن المرأة جزءًا هامًا من هذه التصاوير إلى جانب الرجل، ورسوم وتصاوير الرجل، سواء كانت هذه المرأة من عامة الناس أم كانت من الحكام، بل وصل الأمر إلى أن أصبحت المرأة جزءًا من المعبودات المصرية القديمة التي كانت تأخذ الشكل الأنثوي رمزًا لاكتمال عناصر التواصل البشري، كما كان من ملكات مصر القديمة نساء عظيمات يضاهين الملوك عظمة وسلطانًا، وكانت أعمالهن في خدمة بلادهن ملموسة، وعكس الأدب المصري القديم هذه الحالة.
وعلاقة مصر بالحضارات المتوسطية نابعة من أنها تطل على هذا البحر، وبالتالي نشأت على سواحلها حضارة منذ القدم لها علاقات بالبحر والنشاط الإنساني المرتبط به، وما زال هذا التشابه بين سواحل مصر ومدنها التي تطل على البحر المتوسط تشترك مع المدن والأقاليم المطلة عليه بقواسم مشتركة اصطلح على تسميتها بين المتخصصين بـ"حضارة البحار"، وهذا ما فسره التواجد الكثيف للجاليات الأجنبية، خاصة تلك التي جاءت إلى مصر عن طريق البحر.
ولقد انتقلت الحضارة المصرية أو تأثيرها إلى أمم أخرى مثل اليونان وجزر البحر المتوسط وبعض مناطق من آسيا الصغرى، بل واستفادت هذه الأمم من حضارة المصريين القدماء وبنت عليها حضارات امتد تأثيرها إلى عمق الغرب الأوروبي.
على أن مصر لم تلبث أن دخلها الإسكندر الأكبر غازيًا، وبعد قطيعة قضتها مصر تحت الاحتلال الفارسي أعاد الإسكندر الأكبر مصر إلى عالم البحر المتوسط، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن حضارة البطالمة في مصر هي انعكاس لحضارة مصر البحرية التي انتشر منها النور، وخاصة من مراكزها العلمية في الإسكندرية، إلى العالم أجمع بفلسفتها وحضارتها المتنوعة التفاصيل، ومعنى ذلك أن حضارتنا كانت في هذه المرحلة، وحتى مجيء الرومان، حضارة بحر متوسط، بل وأصبحت مصر مركزًا للحضارة المتوسطية في العصور الرومانية المتأخرة.
وعندما ظهرت المسيحية، والتي وُلدت في فلسطين ووجدت التربة الصالحة لها في وادي النيل وفي مصر، جاءت العائلة المقدسة والكثير من الحواريين، ومنهم مرقس الذي كتب إنجيله في مصر، وعاش هذا الرجل في مصر ومات فيها، ثم سرق أهل البندقية رفاته وفروا به إلى بلادهم، حيث أنشأوا كنيستهم وأسموها باسمه: كنيسة سان ماركو، أي القديس مرقس.
وقادت مصر المسيحية المتوسطية العالم في ذلك الوقت، وابتكرت الرهبنة الديرية، وبرز منها قديسون تأثروا بمصر وحضارتها مثل أنطونيوس والأنبا بولا، كما أن التأثير المصري أيضًا انعكس على الفكر الأوروبي، مثل فكر أريوس الذي كان من كبار المفكرين الذين أثروا الحضارة الأوروبية.
وظلت مصر جزءًا من عالم البحر المتوسط حتى مجيء العرب المسلمين إليها، وورث اليونان جانبًا عظيمًا من تراث مصر القديمة الفني والعلمي والفلسفي، وهو ما أعطته مصر أيضًا للعالم المسيحي في العصور الوسطى الأوروبية.
وعندما جاءت الحضارة الإسلامية أسهمت مصر فيها بالنصيب الأكبر من خلال تراثها وتجاربها الحضارية القديمة، وامتدت هذه المؤثرات المصرية لتشمل شرق المتوسط، وامتدت أيضًا حتى حدود فرنسا الجنوبية مرورًا بكل جزر البحر المتوسط وجنوب إيطاليا ودول البلقان.
وكانت مصر معبرًا هامًا للحضارة الإسلامية لعالم البحر المتوسط، وأتاحت مصر لشعوب هذه المناطق ترجمة روائع الفكر الإسلامي إلى اللغات اللاتينية، ومنها بطبيعة الحال إلى اللغات الأوروبية المختلفة، وهكذا نرى أن مصر كانت صاحبة حق أصيل في كل ما وصل إليه الغرب ونقله من الدول المتوسطية من حضارة.
فمصر وضعت الأسس والجذور التي قام عليها البنيان الحضاري، وربما يرجع ذلك إلى مكانتها الجغرافية في البحر المتوسط، ولكن مصر لم تكن بعنصرية الرومان الذين أطلقوا على هذا البحر اسم "بحرنا ماري نوستروم"، وربما كانت هذه العلاقة الوطيدة بين مصر وعالم المتوسط هي السبب في رغبة حكامها عبر التاريخ الإسلامي في أن يرثوا الحضارات الكبرى التي انتشرت على ضفافه.
فنجد أن أحمد بن طولون حاول السيطرة على حوض المتوسط الشرقي، وكذلك فعل الفاطميون حينما أسسوا دولة وخلافة مترامية الأطراف تبدأ من سواحل المتوسط الغربية وحوض المتوسط إلى مصر وحوض المتوسط الشرقي، واستولوا تقريبًا على كل جزر البحر المتوسط وجنوب إيطاليا وجزيرة صقلية، فهم من الناحية العملية حولوا البحر المتوسط إلى بحيرة يسيطر عليها الأسطول البحري الفاطمي.
وجاءت الحملات الصليبية على مصر لتؤكد مرة أخرى الصلة ما بين جنوب وشمال حوض البحر المتوسط، فنجد أن دولًا مثل فرنسا وإيطاليا وبعض دول وسط أوروبا مثل ألمانيا بعثت بهذه الحملات للاستيلاء على الأماكن المقدسة في الشرق الإسلامي تحت ستار الدعاوى الصليبية، وهي في حقيقة الأمر مسألة استعمارية بحتة، وتنبه إلى ذلك أيضًا مسيحيو الشرق ومسيحيو مصر بوجه خاص، وقد تصدوا لهذه الحملات الصليبية ببطولة كبيرة، واستطاعوا إخراج الصليبيين من الشرق الإسلامي أو على الأقل من حوض البحر المتوسط الشرقي.
ولولا تصدي حكام مصر، سواء من الأسرة الأيوبية أو سلاطين المماليك، لبقيت هذه المستوطنات لمئات السنين.
وأصر سلاطين المماليك على اقتلاع جذور الاحتلال الصليبي من الأراضي العربية، وخاصة من حوض البحر المتوسط الشرقي، ونشأت علاقات تعاون بين سلطنة المماليك وبين دول حوض البحر المتوسط.
فالدولة المملوكية كانت – وربما يرجع ذلك إلى كون سلاطينها أو معظمهم جاء من كيانات ودول بعضها قريب من البحر المتوسط مثل آسيا الصغرى – ومن هنا كان هناك صلة تجارية عميقة بين شمال البحر المتوسط وجنوبه، تتمثل في المدن الإيطالية وجنوب إيطاليا وجزيرة صقلية وبعض الممالك الموجودة في إسبانيا وبين سلطنة المماليك في مصر.
وكانت الأطماع الأوروبية التي نشأت نتيجة شعور البرتغاليين، بوجه خاص، بأن المصريين يسيطرون على تجارة العالم من خلال سيطرتهم على جنوب البحر الأحمر، وهو الأمر الذي دفع المماليك للتصدي لهم بكل قوتهم والدخول معهم في معارك عسكرية لمنعهم من الإضرار بطرق التجارة التي تمر في مصر.
وظلت هذه العلاقة مع البحر المتوسط قائمة، تارة تأتي حملات عسكرية من شمال البحر إلى جنوبه في اتجاه مصر والشام، ومرة أخرى نجد أن التوسع المصري في عهد سلطنة المماليك وقيام مصر بتأسيس قوة بحرية عظيمة، جعل هذه القوة البحرية يُعمل لها حساب من قبل الدول المطلة على البحر المتوسط.
وهكذا ظلت العلاقات التجارية والحضارية والسياسية والعسكرية، بسلبياتها وإيجابياتها، مجالًا لاستمرار العلاقة بين مصر وعالم البحر المتوسط.
وفي العصر الحديث جاءت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت في اتجاه مصر، كمحاولة منها لفرض سيطرة شمال المتوسط على جنوبه، باعتبار أن مصر سوف تكون قاعدة لإمبراطورية كبيرة لقوة أوروبية جديدة هي قوة نابليون بونابرت وفرنسا، واستمر هذا الصراع الحضاري والعسكري إلى أن خرج الفرنسيون من مصر، وحل محلهم بعد قليل استعمار جديد من خارج حدود المتوسط، وهو الاستعمار البريطاني.
وظلت هذه المسألة ما بين الشد والجذب في ظل ضعف شديد من السلطة العثمانية، التي كانت في ذلك الوقت هي السلطة الشرعية التي تسيطر على مصر وبلاد الشام وحوض البحر المتوسط الشرقي بأكمله.
وعلى الرغم من ذلك ظلت مصر قوة فاعلة اعتمادًا على كثافتها السكانية وموقعها الجغرافي وميراثها الحضاري، واستطاعت أن تلعب دورًا كبيرًا في عهد محمد علي وأسرته، وخاصة ابنه إبراهيم، وكان حلم محمد علي أن ينشئ إمبراطورية متوسطية قوامها أو النواة الأصلية لها مصر، ولكن هذا المشروع ما لبث أن تكاتفت عليه القوى الدولية الكبرى، ولم يجعلوه ينجح في فرض وصايته على الدولة العثمانية وولاياتها، بل فرضوا عليه مجموعة من الشروط القاسية التي جعلت من مصر مجرد قوة إقليمية وليست قوة عالمية.
أما في العصر الحديث والمعاصر، فبدأ هناك اتجاه كبير جدًا بين المصريين بأن هويتنا هي هوية غربية متوسطية، وبدأت هناك دعاوى تدعو إلى كتابة الحروف العربية بحروف لاتينية.
وظهر في ذلك الوقت تراشق وجدال بين مجموعات من المثقفين المصريين؛ منهم من يرى أن الأصول العربية المصرية هي نواة الهوية المصرية وشخصيتها، ومنهم من رأى أن التراث المصري القديم هو عنوان هذه الهوية، ومنهم من رأى أن مصر هي دولة تنتمي في معظمها إلى عالم البحر المتوسط بكل حضاراته.
وأن الارتباط الحقيقي هو بين مصر وبين أوروبا، وربما كانت محاولة الخديوي إسماعيل إنشاء عاصمة جديدة في ضواحي القاهرة تحمل الطابع الأوروبي جزءًا من هذا الهاجس، وبمرور الوقت أصبح هناك قناعة لدى المصريين أن جزءًا من الهوية المصرية ينتمي إلى هذا العالم.
وأن هناك على الأقل شكلًا من أشكال المصالح المتبادلة، وقواسم حضارية مشتركة، ولعل ما يحدث الآن في سياسة شرق المتوسط هو انعكاس لهذا التوجه المصري نحو هذا العالم.
وقد ظهر في الآونة الأخيرة ما يُعرف باسم "الاتحاد من أجل المتوسط"، وهو شكل من أشكال التجمع الإقليمي، ومقره فرنسا.
وبصفة عامة، نجد أن مصر لها جذور عربية، وتأثرت بالبيئة والثقافة العربية، كما تأثرت بهجرات من إفريقيا وأوروبا، وهو ما جعل هويتها تتسع لكل هذه المؤثرات.
وهكذا نرى أن إشكالية الهوية بالنسبة لمصر كان جزءًا هامًا منها هو التوجه نحو أوروبا المتوسطية، والتي كان لها أكبر الأثر في جزء هام من هذه الشخصية المصرية.
(يتبع)

















0 تعليق