حسام رشوان: الفنان أحمد عثمان لم يأخذ حقه .. وإنجازاته تشهد له

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سلطت الكاتبة صفاء النجار، الضوء على واحدة من أهم لحظات حماية التراث المصرى، خلال حلقة برنامج "أطياف" المذاع على قناة الحياة، والتى تناولت قصة إنقاذ معبد أبو سنبل، مؤكدة أن الدولة المصرية لعبت دورًا محوريًا فى الحفاظ على آثارها، بالتعاون مع المجتمع الدولى، ومستعيدة أسماء كان لها أثر حاسم فى هذه الملحمة التاريخية، وفى مقدمتها النحات الكبير أحمد عثمان.

وخلال الحلقة، استضاف البرنامج الدكتور حسام رشوان، الخبير فى الفن التشكيلى، الذى قدم قراءة موسعة لسيرة أحمد عثمان ولدوره فى إنقاذ آثار النوبة، موضحًا أن الفنان الكبير، المولود فى أسوان عام 1907، لم يكن مجرد نحات بارز، بل كان أيضًا صاحب إسهام مهم فى تطوير التعليم الفنى والكليات الفنية، إلى جانب حضوره فى الثقافة المصرية عمومًا.

وقال حسام رشوان، إن أول من نبه إلى خطر غرق آثار النوبة كان الفنان محمد ناجى، الذى وجه خطابًا إلى منظمة اليونسكو عام 1954، مستفيدًا من علاقاته الدولية الواسعة، خاصة أنه كان أول مدير مصرى لمدرسة الفنون الجميلة، كما تولى إدارة أكاديمية روما، وهو ما جعله قادرًا على لفت الأنظار مبكرًا إلى خطورة ما يتهدد آثار مصر.

وأضاف حسام رشوان، أن مشروعات متعددة طُرحت آنذاك لإنقاذ معبد أبو سنبل، من بينها مشروع للمهندس المعمارى عثمان رفقي رستم، قامت فكرته على إنشاء حواجز خرسانية ضخمة حول المعبد بارتفاع يتراوح بين 180 و200 متر، غير أن ارتفاع التكلفة حال دون تنفيذه، كما ظهرت فكرة أخرى تقوم على تغليف المعبد بغلاف بلورى فى حال غمره بالمياه، لكنها بدت فكرة غريبة وغير عملية.

وأوضح حسام رشوان أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عام 1958، حين كلف وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة النحات أحمد عثمان بدراسة الحلول الممكنة لإنقاذ المعبدين، ليطرح أحمد عثمان الفكرة التى ستصبح لاحقًا الحل المعتمد، وهى نشر وتقطيع المعبد إلى كتل حجرية ونقله إلى موقع مرتفع، وهو الحل الذى نفذ بالفعل بدعم دولى واسع، ليصبح المشروع واحدًا من أكبر عمليات إنقاذ التراث فى التاريخ الحديث.

وأشار حسام رشوان إلى أن التمويل الذى خصص للمشروع بلغ نحو 36 مليون دولار، ساهمت فيه دول عديدة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية بمبلغ 12 مليون دولار، ومصر بـ11.5 مليون دولار، وفرنسا بمليون دولار، وإيطاليا بـ856 ألف دولار، والهند بـ588 ألف دولار، والسويد بـ500 ألف دولار، وإسبانيا بـ270 ألف دولار، وإنجلترا بـ213 ألف دولار، وسويسرا بـ230 ألف دولار، وكوبا بـ160 ألف دولار، وباكستان بـ130 ألف دولار، والمملكة العربية السعودية بـ40 ألف دولار، فيما شاركت توجو بمبلغ رمزى قدره 815 دولارًا، وغيرها من الدول، دعمًا لأكبر عملية نقل آثار فى التاريخ حتى الآن.

ولفت الدكتور حسام رشوان إلى أن أحمد عثمان لم يكتف بطرح الفكرة، بل انخرط أيضًا فى تفاصيل التنفيذ، فبحث فى نوعية المناشير التى يمكن استخدامها فى عملية النشر، واستبعد المناشير الكهربائية خشية ما قد تسببه من ضرر للأحجار، وفضل استخدام أدوات مستوحاة من تقنيات المصريين القدماء، وفى مقدمتها المنشار السلكى، حفاظًا على سلامة الكتل الأثرية أثناء التقطيع والنقل.

وفى سياق متصل، سجل حسام رشوان ملاحظة نقدية على كتاب "إنسان العصر يتوج رمسيس" لثروت عكاشة، إذ أشار إلى أن الكتاب تناول مشروع إنقاذ آثار النوبة، وذكر المشروع نفسه، لكنه لم يذكر اسم أحمد عثمان صراحة، رغم أن الأخير كان صاحب التصور الحاسم الذى أفضى إلى إنقاذ المعبد، وهو ما اعتبره رشوان إغفالًا لاسم فنان وعالم لعب دورًا محوريًا فى واحدة من أعقد عمليات إنقاذ التراث فى القرن العشرين.

وعن المسار العلمى والفنى لأحمد عثمان، أوضح رشوان أن جذوره التعليمية تعود إلى مدرسة الفنون والزخارف المصرية، التى يرجع أصلها إلى عصر الخديوى إسماعيل سنة 1868، حين تأسست تحت اسم "مدرسة العمليات" فى بولاق، وكانت تهدف إلى تخريج "الأسطوات" الفنيين والمدربين، قبل أن تستقر لاحقًا تحت اسم "مدرسة الفنون والصنائع الخديوية"، وأضاف أن المدرسة افتتحت قسمًا للفنون والزخارف عام 1909، وتخرجت أول دفعة منه سنة 1913، ثم تحول هذا القسم إلى مدرسة مستقلة عام 1919، لتصبح لاحقًا الأساس الذى قامت عليه كلية الفنون التطبيقية.

وأشار إلى أن أحمد عثمان التحق بهذه المدرسة سنة 1923، وتخرج فيها عام 1927، ثم سافر فى بعثة إلى إيطاليا، وهناك تعمق فى دراسة فن النحت، وتأثر بالمدرسة المصرية القديمة، كما تعرف على تقنيات قطع الأحجار، وهى الخبرة التى ستظهر لاحقًا بوضوح فى مشروع إنقاذ أبو سنبل.

وأضاف أن أحمد عثمان، بعد عودته إلى مصر، عمل فى مدرسة الفنون التطبيقية، فى لحظة كانت تشهد صعود الكوادر المصرية داخل المؤسسات الفنية، خاصة حين تولى الفنان محمد حسن إدارة مدرسة الفنون التطبيقية، وعمل على تمصير المدرسة، وتعيين الفنانين المصريين بها وإسناد المناصب إليهم، وفى هذا السياق، أصبح أحمد عثمان أستاذًا للنحت فى مدرسة الفنون التطبيقية، ثم تولى بعد ذلك رئاسة قسم الفن بمدرسة الفنون الجميلة، ليصبح أول رئيس مصرى لقسم النحت.

ولم تتوقف إنجازات أحمد عثمان عند المجال الأكاديمى، بل امتدت إلى عدد من العلامات الفنية الكبرى فى المجال العام، إذ أشرف على نقل تمثال رمسيس الثانى من ميت رهينة إلى ميدان باب الحديد، كما تولى ترميمه، وكان التمثال يفتقد جزءًا من الرجل والقدم، فنحتهما له، وأقام له قاعدة تتحمل وزنه الذى يصل إلى 80 طنًا.

كما ترك أحمد عثمان بصمته فى عدد من الأعمال البارزة، من بينها تمثال إبراهيم باشا فى ميدان الأوبرا، وتمثال عبد المنعم رياض فى ميدان التحرير، وواجهة حديقة الحيوان بالجيزة، ونسرَا برج القاهرة، إلى جانب إسهامه فى تأسيس كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، فى خطوة مهمة نحو توسيع نطاق التعليم الفنى خارج القاهرة.

وتكشف هذه الشهادة، التى جاءت فى برنامج "أطياف" على قناة الحياة، أن سيرة أحمد عثمان تتجاوز حدود النحت بوصفه فنًا تشكيليًا، لتضعنا أمام نموذج لفنان جمع بين الحس الجمالى والخبرة التقنية، وبين المعرفة الأكاديمية والعمل الميدانى، فصار حضوره حاضرًا فى التماثيل الكبرى، وفى المؤسسات التعليمية، وفى واحدة من أهم معارك إنقاذ التراث الإنسانى فى العصر الحديث.

أخبار ذات صلة

0 تعليق