قال السفير نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إن منطقة الشرق الأوسط تواجه مسعى حقيقياً وخطيراً لإعادة تشكيل هويتها، في ظل اضطراب النظام الدولي وتراجع احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مشيراً إلى أن الخيط المشترك بين الأزمات التي تشهدها المنطقة يتمثل في عدم احترام القانون، والاستخدام غير المشروع للقوة، إلى جانب وجود جهد وبرنامج مبرمج لتفريغ المنطقة من هويتها العربية السياسية.
وقال فهمي، خلال حوار ضمن فعاليات اليوم الثاني منتدى القاهرة الثالث «Cairo Forum 2026»، إن النظام الدولي المعاصر، الذي يقوم أساساً على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، لم يعد يحظى بالاحترام المطلوب، خاصة من جانب الدول الكبرى وحلفائها، وهو ما أدى إلى نشوء نظام دولي مضطرب، بدأت ملامحه بعد انتهاء الحرب الباردة.
وأضاف أن الشرق الأوسط يشهد في هذا السياق مسعى حقيقياً وخطيراً لإعادة تشكيل المنطقة، موضحاً أن «الهدف الآن تغيير هوية هذه المنطقة»، وأن استمرار الاضطرابات يجعل التحرك المبرمج صعباً، لكنه في الوقت نفسه يجعل السكوت على ما يحدث بالغ الخطورة.
نبيل فهمي يبحث مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الجهود المبذولة لإنهاء الحرب أمين عام جامعة الدول العربية يكشف لـ«اعرف سبورت» تفاصيل مباحثاته مع جوتيريش المتحدث الرسمي باسم نبيل فهمي: "حصيلة لقاءات الأمين العام في السودان أكدت الحاجة الملحة لمساندة السودانيين في وقف الحرب"وشدد على ضرورة تحرك الأطراف العربية والشرق أوسطية، قائلاً: «اللي ما يتحركش، هيجد نفسه بيتعامل مع مستقبل يحدده غيره، وليس في مصلحته بطبيعة الحال».
وأشار إلى أن التعامل مع الأزمات من خلال التركيز على الأحداث الظاهرة فقط، دون النظر إلى جذورها وأسبابها، يؤدي إلى استمرار إدارة الأزمات بدلاً من منع تكرارها، مستعيناً بتشبيه التعامل مع القضايا المتلاحقة بعمل أجهزة المطافي التي تتعامل مع الحرائق بعد وقوعها دون معالجة الأسباب التي أدت إليها.
وقال إن العالم العربي أصبح يتعامل مع حالة الطوارئ باعتبارها أمراً طبيعياً، مؤكداً اقتناعه بأن العالم العربي يمتلك القدرة على التحرك والمبادرة وأخذ زمام الأمور بيده، وأن هذا الأمر أصبح ضرورياً للغاية.
وفي رده على سؤال بشأن وجود رابط بين الأزمات التي تشهدها فلسطين والسودان ولبنان وسوريا وليبيا واليمن والصومال، أوضح فهمي أن هناك مستويين للأزمات؛ الأول يرتبط باضطراب النظام الدولي نفسه وعدم استقراره، والثاني يتعلق بطبيعة القضايا الشرق أوسطية، التي ينتمي بعضها إلى إطار عربي عربي، بينما يرتبط بعضها الآخر بعلاقات عربية شرق أوسطية.
وأوضح أن القضية الفلسطينية تندرج ضمن القضايا العربية الشرق أوسطية، بينما تمثل ليبيا والسودان وغيرها نماذج لقضايا عربية عربية.
وأضاف: «الخيط المشترك عدم احترام القانون، الخيط المشترك استخدام القوة بشكل غير مشروع، والخيط المشترك وأخطرهم جهد وبرنامج وخطة مبرمجة لتفريغ الهوية العربية من المنطقة، الهوية العربية السياسية، مش الثقافية، وجعلها منطقة شرق أوسطية تتعامل مع العالم بمنظور مختلف عن المنظور العربي الشرق أوسطي».
وشدد فهمي على ضرورة استخدام مصطلح «الأمن العربي الجماعي» بدلاً من «الأمن العربي الشامل»، موضحاً أن المقصود به هو التعاون بين الدول العربية، في ضوء الترابط بين أمنها واستقرارها، وتأثير الأزمات في دولة على الدول الأخرى.
وقال إن ما تشهده ليبيا يؤثر في مصر، وما يحدث في السودان ينعكس عليها أيضاً، كما يؤثر الوضع في اليمن على المملكة العربية السعودية، بينما تنعكس المخاطر التي قد تتعرض لها السعودية على الدول الخليجية جميعها.
وأضاف أن تجاوزات استخدام القوة وعدم احترام القانون لا تقتصر آثارها على دولة بعينها، وإنما تؤثر في الدول العربية جميعاً، لافتاً إلى أن القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية احتلال وتفريغ هوية ممتدة منذ نحو 80 عاماً، تطرح أسئلة صعبة بشأن وضعية المنطقة وإنسانيتها، فضلاً عما شهدته غزة خلال الفترة الأخيرة.
وأكد نبيل فهمي أن القضية الفلسطينية لا تزال القضية الرئيسية في المنطقة، مقارنة بالقضايا الأخرى، مشيراً إلى أن اقترابها من الحل خلال تسعينيات القرن الماضي، عقب مؤتمر مدريد وبداية مسار أوسلو، ارتبط بتصورات بشأن إمكانية حدوث تغيير واسع في الشرق الأوسط.
وأوضح أن الحديث وقتها عن «شرق أوسط جديد» ارتبط بالاعتقاد بأن اقتراب القضية الفلسطينية من الحل يمكن أن يؤدي إلى تغيرات في المنطقة بأكملها، قائلاً إنه لا توجد قضية واحدة أخرى لها التأثير نفسه، من المغرب العربي إلى المشرق والجنوب.
ولفت إلى أن المنطقة تشهد حالياً عدداً من القضايا النشطة التي تتسبب في خسائر جسيمة، محذراً من أن عدم معالجة هذه الأزمات سيؤدي إلى ظهور المزيد منها في المستقبل.
وأضاف أن استمرار القضية الفلسطينية دون حل على مدار هذه السنوات أفرز دروساً لدى بعض الأطراف، وبالتحديد إسرائيل، مفادها أن استخدام القوة دون محاسبة، في ظل الأمان السياسي الأمريكي في هذا الخصوص، يسمح بالتمادي في استخدامها، وقد يدفع أطرافاً أخرى إلى اتباع الأسلوب نفسه.
وفيما يتعلق بكيفية انتقال الدول العربية من تلقي الأحداث إلى المشاركة في صنعها، قال العربي إنه لا يرى أن اليأس هو الموقف المناسب، مشيراً إلى أن نحو 65% من مواطني العالم العربي تبلغ أعمارهم 30 عاماً أو أقل، وهو ما يمثل كنزاً كبيراً وفرصة لإعادة التشكيل، ومسؤولية لتوفير مستقبل أفضل للشباب من حيث الأمن والأمان.
وأكد ضرورة أن تكون الدول العربية فاعلة وطرّاحة للأفكار ومحركة لها، بدلاً من الاكتفاء برد الفعل، موضحاً أن من يكتفي بموقف المتلقي سيجد أن الآخرين يحددون له الطريق، بينما يتطلب التأثير في المستقبل وضع عناصره والمشاركة في تحديد مساره.
واستشهد فهمي بحرب أكتوبر، قائلاً إن مصر بدأت الحرب رغم اعتراض السوفيات والأمريكان، لكنها استطاعت من خلال التحرك الإقليمي التأثير في مواقف الطرفين بعد الحرب.
وأضاف أن الأطراف الإقليمية بدأت تتحرك في التعامل مع أزمات المنطقة، مستشهداً بالنزاع الأمريكي الإيراني، ودور قطر وسلطنة عمان وبعض الأطراف العربية وباكستان في الوساطة، بدلاً من اقتصار التحرك على القوى الكبرى مثل الصين وروسيا.
وشدد على أن الحلول يجب أن تأتي من داخل المنطقة، قائلاً: «على الأقل منبقاش تابع لغيرنا، إن الحلول تيجي من المنطقة ده أمر طبيعي، في النهاية إحنا الأساس في المنطقة»، مع الإقرار بأهمية عدم إغفال دور الدول الكبرى والمجتمع الدولي، مؤكداً أن الاعتماد على الغير لحل قضايا الشرق الأوسط لن يؤدي إلى نتائج ترضي دول المنطقة
وحذر من أن ثمن عدم التحرك تجاه أزمات المنطقة بالغ الخطورة، مشيراً إلى أنه اقترح في أول خطاب له أمام مجلس وزراء الخارجية العرب وضع «أجندة عربية متجددة» تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، هي التصدي للقضايا، والتطوير الذاتي والإقليمي، والتنمية المستدامة.
وأوضح أن التعامل مع المنطقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن قضاياها، كما لا يمكن النظر إلى المستقبل دون تطوير القدرات الذاتية والإقليمية، مشدداً على أن امتلاك الإمكانيات العسكرية والسياسية والاقتصادية، التي تأتي من التنمية، شرط أساسي للوقوف على أرض صلبة والقدرة على التعبير عن المواقف والتأثير فيها.
وأضاف أن المطلوب هو التفكير بشكل متكامل والاستفادة من العناصر الإيجابية المتاحة لدى كل طرف عربي، موضحاً أن ذلك لا يعني تطابق المواقف، وإنما تكاملها، بما يساعد مع الوقت على استعادة الثقة في فكرة ومصداقية العمل العربي المشترك.
وأشار إلى أن هذا التعاون لن يقود بالضرورة إلى الكمال، خاصة في عصر العولمة الذي لا توجد فيه منطقة معزولة عن العالم، لكنه يظل ضرورة، قائلاً: «لو مش هنتحرك، منقدرش نلوم حد غيرنا، أنفسنا يعني».
وفيما يتعلق بأزمتي المياه والطاقة، حذر من تصاعد معدلات الجفاف المائي في الشرق الأوسط والعالم العربي، مشيراً إلى أن المنطقة العربية تسجل معدلات متزايدة من الجفاف تفوق أي منطقة أخرى في العالم.
وقال إنه حتى إذا نجحت دول المنطقة في حل جميع القضايا السياسية، فإن أزمة المياه قد تكون سبب النزاع والحرب المقبلة.
- نبيل فهمي يحذر من إعادة تشكيل الشرق الأوسط: الغلبة أصبحت لقانون القوة
- نبيل فهمي يحذر: المياه قد تكون مصدر الصراع المقبل في المنطقة العربية
- جمال عبد الجواد: مصر اختارت عدم الانعزال عن تحولات الشرق الأوسط
- استعان بمقولة شهيرة لزعيم صيني.. حكاية مقال مهم كتبه هيكل قبل حرب أكتوبر بيوم واحد
- الجيش الأمريكي يستعد لنشر تعزيزات بحرية ضخمة في الشرق الأوسط تحسبا لتصعيد محتمل





