في مشهد غير مسبوق، دخل نهر العاصي - أحد أهم الأنهار في سوريا ولبنان وتركيا - مرحلة جفاف كامل للمرة الأولى في تاريخه، ليتحوّل مجراه إلى أرض متشققة تمتد عشرات الكيلومترات، في تطوّر يفتح الباب أمام أزمة بيئية وصحية تمس حياة مئات الآلاف من السكان والمزارعين.
مشاهد صادمة على مواقع التواصل
خلال الأيام الماضية، تداول سوريون مقاطع فيديو تُظهر جفاف مجرى النهر وانحسار المياه بشكل كامل، وسط ذهول الأهالي الذين اعتادوا رؤية العاصي شريانًا نابضًا للحياة والزراعة،وأظهرت المقاطع تشققات واسعة في التربة، وانهيارًا في تدفّق الينابيع الطبيعية التي كانت تُغذّي النهر منذ عقود.
التغير المناخي وسوء إدارة المياه.. أسباب متشابكة
تشير مديرية الموارد المائية في محافظة حماة إلى أن الأزمة الحالية نتاج مجموعة معقدة من العوامل، أبرزها التغير المناخي المتسارع في المنطقة، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار وهطول الثلوج، بجانب ازدياد موجات الجفاف التي تضرب شرق المتوسط منذ سنوات.
لكن التغير المناخي لم يكن المتهم الوحيد، إذ ساهمت سوء إدارة الموارد المائية في تفاقم الوضع، خاصة الضخ الجائر من المياه الجوفية وسوء كفاءة شبكات الري التقليدية، إضافة إلى التعديات على مجرى النهر واستخدام مصادر المياه بصورة غير محسوبة.
وتقول المديرية إن تراجع مخزون سد الرستن — أحد أهم السدود المقامة على نهر العاصي — وصل إلى "الحدود الدنيا"، ما أدى إلى انخفاض حاد في كمية المياه المتدفقة ضمن مجرى النهر، لتصبح الكارثة واقعًا لا يمكن تجاهله.
مزارعو حماة أمام خيارات "خطرة"
لم يجد المزارعون في ريف حماة بديلًا سوى اللجوء لمياه الصرف الصحي لري المحاصيل، في خطوة تحمل مخاطر صحية وبيئية جسيمة، وتهدد جودة الإنتاج الزراعي، وتفتح الباب أمام انتشار أمراض منقولة عبر المياه.
ومع غياب مصادر المياه النظيفة، ارتفعت تكاليف الري بصورة غير مسبوقة، وتكبّد المزارعون خسائر فادحة، في وقت يعتمد فيه سكان تلك المناطق على الزراعة كمورد أساسي للعيش.
تهديد للتوازن البيئي وصحة السكان
امتد تأثير الجفاف إلى النظام البيئي بأكمله؛ فقد أدى انحسار المياه إلى تراجع الغطاء النباتي المحيط بالنهر، واختفاء كائنات مائية كانت تعيش فيه منذ آلاف السنين، كما تسبب انتشار استخدام مياه الصرف الصحي في تهديد الصحة العامة، في ظل احتمالات دخول ملوثات وبكتيريا إلى السلسلة الغذائية.
تحذيرات دولية متجددة
التطورات الحالية جاءت بعد تقرير أمريكي نُشر في سبتمبر الماضي، حذّر من أن شرق البحر المتوسط يواجه "أسوأ موجة جفاف منذ عقود"، مع ازدياد معدلات تبخر المياه، وذبلان المحاصيل، وانقطاع المياه في المدن لأيام طويلة، ما يجعل سوريا واحدة من أكثر الدول المتضررة.
نهر حيوي في طريق الانهيار
يمتد نهر العاصي بطول يزيد عن 570 كيلومترًا، يبدأ من وادي البقاع في لبنان، ويتدفق شمالًا عبر حمص وحماة وجسر الشغور قبل أن يصل تركيا ويصب في البحر المتوسط، وعلى الرغم من أنه غير صالح للملاحة في معظم أجزائه، إلا أنه يمثل محورًا أساسيًا للري والحياة الزراعية في سوريا، خصوصًا في منطقة الغاب الخصبة.
كارثة تحتاج تحركًا عاجلًا
تؤكد التطورات أن ما يحدث ليس مجرد انخفاض موسمي في المياه، بل أزمة بنيوية تحتاج إلى تدخل حكومي ودولي عاجل لإدارة الموارد المائية، تطوير شبكات الري، حماية السدود، ومنع التعديات على مصادر المياه، فجفاف نهر العاصي الذي لطالما كان رمزًا لصمود المنطقة لم يعد مجرد خبر عابر، بل إنذار يحذّر من مستقبل مائي خطير يهدد الأمن الغذائي والصحي والبيئي في سوريا.















0 تعليق