تعددت مؤخرًا جرائم قتل المرأة، وأبرزها ما جرى فى مطلع نوفمبر الجارى فى المنوفية حين أقدم رجل على قتل زوجته وطفلهما البالغ من العمر ستة أشهر بطريقة وحشية بسبب شكوكه فى سلوكها. والمدهش أن القاتل صوّر الضحيتين ونشر صورهما فى «فيسبوك».
ولا يوفر المجلس القومى للمرأة، الذى تم إنشاؤه عام ٢٠٠٠، أى إحصائيات عن عدد جرائم قتل المرأة، بينما تفيد مراصد حقوقية بأن عام ٢٠٢٤ شهد وقوع أكثر من ثلاثمائة جريمة قتل نساء، مما يشكل أكثر من ٢٥٪ من إجمالى عدد جرائم العنف المرتكبة ضد المرأة، ما يعنى وقوع نحو ألف ومائتى جريمة فى السنة أى نحو أربع جرائم يوميًا، وهى ليست نسبة مرعبة إذا قيست بما تبقى.
إلا أن السؤال يتعلق بخصوصية دوافع قتل المرأة، ومعظمها دوافع فكرية وثقافية وتراثية، خلافًا لجرائم قتل الرجال التى لا تجمعها منظومة فكرية، إذ يقع معظمها بسبب خلافات شخصية أو الثأر أو المال والرشوة، أى إن تلك الجرائم مرتبطة فى معظمها بالفساد وبالأحداث الشخصية، ولا تضمها عباءة فكرية من العادات والمفاهيم، خلافًا لموضوع المرأة التى تنتقل الجريمة عنده إلى حد كبير إلى مجال الوعى والثقافة والتنوير ومكافحة الأفكار الراسخة بشأن المرأة وكونها مجرد تابع تكفى مجرد الشكوك فى سلوكها لمنح الرجل حق القتل.
ويقع معظم تلك الجرائم على أيدى أفراد العائلة والأسرة، فى اتصال وثيق بالغيرة، والشائعات، والتحرش، والأقاويل، والسمعة ومفهوم الشرف. ولهذا أقول إن لتلك الجرائم منظومة فكرية تجمعها، ولا يمكن مواجهتها إلا بثقافة جديدة تتقدم بإصرار إلى مجاهل الريف والجنوب لتبدد ظلمة تلك العقلية التى تمجد فى المواويل الشعبية الأخ الذى يقتل أخته حفاظًا على السمعة والشرف.
المعركة هنا ليست قانونية بل ثقافية فى الأساس تستدعى برنامجًا وخطة من قصور الثقافة ومن المجلس القومى للمرأة، وأيضًا من المنظمات المدنية، خطة تشتمل على عروض الأفلام التى تشيد بحرية المرأة، وحقها فى أن تختار من تحب، ومسرحيات فى ذلك الاتجاه، وملخصات للروايات التى طرحت القضية من زاوية مستنيرة.
وجدير بالذكر فى هذا المجال أن رواية عميد الأدب العربى طه حسين «دعاء الكروان» تنتهى فى الأصل بمقتل «آمنة» (فاتن حمامة)، وكان ذلك أقرب إلى تصوير الواقع الذى تُقتل فيه المرأة لا الرجل، لكن صنّاع الفيلم استسمحوا العميد فى تغيير النهاية بحيث تصيب رصاصة خال «هنادى» الرجل «أحمد مظهر»، لأن ذلك أنفع تجاريًا لرواج الفيلم، ولم يرفض العميد.
خلاصة القول إننا نواجه جرائم تتفجر بدوافع منظومة فكرية، ولا يمكن التصدى لها إلا بالعمل الثقافى. هذا هو دور المجلس القومى للمرأة، وقصور الثقافة، والأدباء والمفكرين معًا، ما دمنا نريد أن نحمى نصفنا الثانى الذى هدهدنا فى طفولتنا، وأحبنا فى شبابنا، وصان ضعفنا فى سنوات الكبر، نصفنا الثانى الجميل الذى لا نستطيع أن نحيا دونه. الزهور التى من دونها تفقد الحقول كل جمال.















0 تعليق