واشنطن- “القدس العربي”: ارتدى نجم موسيقى الريف الأمريكي زاك برايان قميصا كُتبت عليه عبارة «فلسطين حرة» خلال حفل أحياه مساء الجمعة في ملعب جيليت بولاية ماساتشوستس، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها تحديا لمالك الملعب روبرت كرافت، المعروف بمواقفه الداعمة للاحتلال الإسرائيلي.
وجاءت الخطوة بعد أسابيع من تحرك كرافت، مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس لكرة القدم الأمريكية، لمنع مغني الراب ماكليمور من تقديم عروض في الملاعب التابعة للرابطة الوطنية لكرة القدم الأمريكية، على خلفية تصريحاته المتضامنة مع فلسطين المحتلة، وهي حملة أدت إلى استبعاده من الجولة الغنائية الأمريكية للفنان إد شيران.
وذكر تقرير نشرته منصة «كومن دريمز» أن برايان وفرقته أعلنا موقفهما بوضوح خلال الحفل الذي شهد حضورا جماهيريا كاملا في مدينة فوكسبره بولاية ماساتشوستس.
ولم يقتصر التعبير عن التضامن مع فلسطين على برايان، إذ ارتدى عازف الطبول نيت هيد قميصا رياضيا بلون كريمي كُتبت عليه كلمة «فلسطين»، وحمل اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب والرقم خمسة على ظهره، في إشارة إلى الطفلة البالغة من العمر خمس سنوات التي قتلتها القوات الإسرائيلية عام 2024. وكان ماكليمور قد أشار إلى هند رجب في أغنية أثارت غضب كرافت وأدت إلى منعه.
كما ارتدى عازف الغيتار نوح لو غروس قميصا أخضر كُتبت عليه كلمة «فلسطين». وبعد الحفل، نشر صورة له مرتديا القميص أمام لافتة تحمل اسم شركة «كرافت للرياضة والترفيه»، في رسالة بدت واضحة الدلالة.
وأشادت شركة «وير ذا بيس»، التي تنتج هذه القمصان وتتبرع بكامل أرباحها لمنظمات تقدم الغذاء والمياه والرعاية الطبية وغيرها من المساعدات في قطاع غزة، ببرايان وفرقته، قائلة إنهم «وقفوا إلى جانب فلسطين الليلة على مسرح حاول منع مجرد ذكرها».
ويأتي موقف برايان في تناقض مع استجابة إد شيران للضغوط التي مارسها كرافت. فقد واجه شيران انتقادات واسعة بعدما نفى، في بيان وصف بالغامض، أن يكون متواطئا مع إسرائيل في هجومها على غزة، في وقت تشير الأرقام الرسمية، وفق التقرير، إلى استشهاد أكثر من 74 ألف شخص، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، خلال ما يقرب من ثلاث سنوات.
ويُعرف برايان، الذي خدم ثماني سنوات في البحرية الأمريكية، باتخاذ مواقف سياسية لا تتماشى دائما مع النزعة المحافظة المرتبطة تقليديا بموسيقى الريف الأمريكية السائدة. فقد دافع سابقا عن المتحولين جنسيا في مواجهة الهجمات العلنية، كما كتب العام الماضي كلمات تنتقد ممارسات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية وأساليبها المتشددة في تنفيذ عمليات الترحيل.
ومع ذلك، لا يصنّف المغني، صاحب أغنية «أتذكر كل شيء»، بسهولة ضمن أحد المعسكرين السياسيين. فقد وصف نفسه سابقا بأنه «ليبرتاري بالكامل»، وشدد في مقابلة العام الماضي على أهمية الوحدة السياسية، قائلا إن «الجناح اليساري أو اليميني، نحن جميعا طائر واحد وأمريكيون».
لكن القميص الذي ارتداه الجمعة حمل أيضا رموزا أثارت تساؤلات. فإلى جانب عبارة «فلسطين حرة»، ظهر شعار شجرة صنوبر وعبارة «نداء إلى السماء»، وهما رمزان ارتبطا بجيش جورج واشنطن خلال حرب الاستقلال الأمريكية، ثم تبناهما لاحقا بعض القوميين المسيحيين المنتمين إلى اليمين المتطرّف.
ولم يوضح برايان علنا حتى الآن الرسالة التي أراد إيصالها من خلال القميص، كما لم يصدر كرافت تعليقا على موقفه، رغم أنه سبق أن وصف التصريحات المتضامنة مع فلسطين التي أدلى بها ماكليمور على المسرح بأنها «خطاب كراهية».
وكان من المقرر أن تحيي فرقة برايان حفلا آخر في ملعب جيليت مساء السبت، وسط تساؤلات بشأن احتمال تعرضها لضغوط للتراجع عن موقفها.
وفي سياق التفاعلات مع الواقعة، أشاد معلقون بموقف برايان، وقارنوا بينه وبين استجابة شيران لضغوط كرافت. ووصف إدريس أحمد، المحرر المشارك في مجلة «نيو لاينز»، ما حدث بأنه «لحظة سبارتاكوس حقيقية في عالم الموسيقى»، في إشارة إلى التمرد على السلطة ومحاولات فرض السيطرة.
وقال أحمد إن الفنانين الحقيقيين يقاومون الامتثال والسيطرة، مضيفا أن محاولة إملاء ما يمكن للأشخاص الأكثر تمردا قوله أو عدم قوله كان من المحتم أن تؤدي إلى نتائج عكسية، وأن محاولات الرقابة ستؤدي إلى اتساع هذه الظاهرة.
من جهته، اعتبر شاييل بن إفرايم، المحلل السياسي وأحد المنتقدين البارزين للحروب الإسرائيلية، أن الواقعة تمثل مؤشرا إضافيا على التحول الكبير في الرأي العام تجاه إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية.
وقال بن إفرايم: «لقد كسبنا مغنيي الريف. لقد انتصرنا في الحروب الثقافية»، مضيفا بلهجة احتفالية: «أخرجوا مشروب لغو الذرة».
وتسلط الواقعة الضوء على اتساع حضور المواقف المؤيدة لفلسطين في الأوساط الثقافية الأمريكية، وعلى الجدل المتصاعد بشأن الضغوط التي يتعرّض لها الفنانون بسبب مواقفهم السياسية، ولا سيما عندما تتعارض مع توجهات الجهات المالكة للمسارح والمنشآت التي تستضيف حفلاتهم.
وكانت منصة «كومن دريمز» قد أشارت إلى أن تحرك كرافت ضد ماكليمور لم يقتصر على منعه من الظهور في منشآته، بل شمل حشد ملاك آخرين في الرابطة الوطنية لكرة القدم الأمريكية لاتخاذ خطوات مماثلة، في حملة امتدت آثارها إلى الجولة الغنائية لإد شيران. وتعيد خطوة برايان فتح النقاش حول حدود حرية التعبير الفني، ومدى قدرة الضغوط التجارية والمؤسسية على إسكات الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين.
















0 تعليق