انسحبت القوات الأمريكية وقوات التحالف من آخر قواعدها في العراق في 30 سبتمبر الماضي حسب الاتفاق بين إدارة الرئيس بايدن ورئيس الوزراء العراقي السوداني قبل عامين وذلك للمرة الثانية، بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011-لتظهر داعش عام 2014-وتحتل ثلث العراق!! وعادت الولايات المتحدة لتقود تحالفا دوليا في عملية «العزيمة الدائمة» ضد تنظيم الدولة-داعش في العراق وسوريا. وسبق أن غادرت القوات الأمريكية القتالية من وسط وغرب العراق، ومن قاعدة عين الأسد وانسحبت من آخر معاقلها من إقليم كردستان بعدما تجاوز عديدها 2500 عسكري.
توقيت الانسحاب الأمريكي كان مخططا له، لكنه أتى في وقت وظروف صعبة واستثنائية. وكان يتوقع تأجيله، خاصة أن الانسحاب يطرح تساؤلات حول تداعياته ومدى التزامات إدارة ترامب بأمن حلفائها. مع مراوحة جمود حالة الحرب على إيران والخشية من التصعيد.
وبذلك تُنهِي الولايات المتحدة وجودها العسكري في العراق للمرة الثانية منذ عام 2014. لكن انسحاب القوات الأمريكية، وقبله القوات الأمريكية من سوريا في أبريل الماضي وتسليم القواعد العسكرية في البلدين إلى الحكومة السورية والحكومة العراقية، لا يعني أن سوريا والعراق استعادتا سيادتهما، لأن السيادة ليست بجلاء القوات الأجنبية- بل بقدرة الدولة على فرض سيطرتها على كافة أرجائها ومنع النفوذ والتدخلات الخارجية.
والسؤال المهم هل يمنح نهاية الوجود العسكري الأمريكي العراق تصاعد النفوذ الإيراني بدعم حلفائها الميليشيات العراقية وتمنعها من تسليم سلاحها؟ وهل تنشط خلايا تنظيم داعش الإرهابية النائمة لتستغل الفراغ الأمني؟ وتصاعد قلق الأكراد الذين يخشون من تقليص الدعم والتنسيق الاستخباراتي والدفاعي، ويترك إقليمهم أكثر عرضة لهجمات إيرانية ولضغوط وتفاقم الخلافات السياسية بين أربيل وبغداد المتعلقة بالميزانية تصدير النفط.
وفيما تُسوّق إيران والفصائل العراقية الموالية، الانسحاب «انتصاراً سياسياً وعسكرياً»، ونتيجة لنجاح المقاومة بإجبار الأمريكيين على الانسحاب. وهذه مبالغة تقفز على الواقع أن قرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق خضع لمفاوضات منذ رئاسة الرئيس بايدن والحكومة العراقية قبل عامين. كان لما تُروّج له إيران وحلفاؤها في العراق عن «انتصار تاريخي» بانسحاب القوات الأمريكية نتيجة للمقاومة العراقية وقع أكثر مصداقية وتأثيراً-لو لم يشن الرئيس ترامب ثلاث حروب كما يصفها الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان. حرب 12 يوما في يونيو 2025-وحرب 40 يوما في فبراير-أبريل هذا العام-وحرب 13 ليلة بعد التوصل لمذكرة التفاهم في يونيو الماضي. كما يجب الإشارة لعدوان الميليشيات العراقية على السعودية باستهداف المنشآت النفطية وآخرها خط نفط «شرق-غرب» في سبتبمر الماضي. وكذلك قصف أهداف حيوية في الكويت.
السيادة ليست بجلاء القوات الأجنبية- بل بقدرة الدولة على فرض سيطرتها على كافة أرجائها ومنع النفوذ والتدخلات الخارجية
ما يثير القلق هو اضطرار حكومة علي الزيدي إلى تأجيل نزع سلاح الفصائل والميليشيات العراقية حتى نهاية يونيو 2027-بعدما كان مقرراً تزامن نزع سلاح الفضائل العراقية مع الانسحاب الأمريكي. وبعض الفصائل منخرطة في «الحشد الشعبي»-وإن انخرطت ضمن القوات المسلحة العراقية، لكن قراراتها وقدراتها تبقى مستقلة إلى حد بعيد. إضافة لوجود فصائل متنفذة ترفض تسليم سلاحها، وتشترط عدم عودة القوات الأمريكية.
والسؤال المهم-هل ستتمكن وتنجح الحكومة العراقية في فرض سيطرتها وقدرتها على نزع سلاح الميليشيات العراقية وحصر السلاح بيد الدولة؟! خاصة أن تسليم سلاح الفصائل لا يتم دفعة واحدة، بل يمر بخطوات ومراحل سياسية وأمنية. ما يشكل تحدياً أمنيا وسياسيا حقيقيا للحكومة العراقية بفرض سيادتها.
وتؤكد حكومة علي الزيدي قدرتها واستعدادها لفرض سيادتها وحصر السلاح من الفصائل المسلحة. وفرض الأمن وسيادتها على البلاد بعد أن تراجعت قدرات تنظيم داعش. كما لا يعني انسحاب القوات الأمريكية نهاية العلاقة والتنسيق الأمني والعسكري والاستخباراتي مع الولايات المتحدة. بل كما يؤكد رئيس الوزراء العراقي، تنتقل العلاقة للتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني. ويبقى السؤال هل يمكن الحد من من النفوذ الإيراني؟ والواقع أن السيادة تبقى منقوصة ولا تتحقق بانسحاب القوات الأجنبية، بل بقدرة الدولة على فرض قرارها وسيادة القانون.
وهناك تساؤلات كيف ستتعامل الحكومة العراقية التي احتفلت في 30 سبتمبر بيوم «السيادة» وجعلته عطلة رسمية»- مع سيناريو تصاعد نفوذ وقوة الفصائل المسلحة ورفضها نزع سلاحها؟ ومع توظيف إيران نفوذها لدعم احتفاظ حلفائها بالسلاح في العراق؟ وماذا إذا استهدفت الفصائل أهدافا في الجوار؟! وماذا عن خلايا تنظيم داعش الإرهابي؟ وبالمحصلة هل ستنجح الحكومة العراقية بملء فراغ غياب الحضور الأمريكي العسكري ـ واللوجيستي والأمني والاستخباراتي؟
خاصة أن خطة نزع السلاح من الفصائل العراقية تمر بمراحل وترتيبات سياسية وأمنية، ولا يُسلّم السلاح بشكل فوري للدولة. وهناك فصائل متنفذة ترفض تسليم سلاحها، وتشترط عدم عودة القوات الأمريكية. وبعض الفصائل منضوية ضمن تنظيم «الحشد الشعبي» لكنها تحتفظ باستقلال قراراتها وقدراتها. ما يشكل تحدياً أمنيا وسياسيا حقيقيا لسيادة الحكومة العراقية. ويبقى التحدي قائما..
يُعمّق الانسحاب والانكفاء العسكري الأمريكي من العراق وقبله من سوريا، ورغم أنه لا يعني بالضرورة انسحابها كليا من المنطقة قلق الحلفاء. رغم بقاء آلاف القوات الأمريكية في المنطقة، والمزيد قادم تقودهم حاملة طائرات ثالثة-وبرفقة آلاف القوات المسلحة. إلا أن الانكفاء يترك تساؤلات لدى حلفاء واشنطن عن التزاماتها بتوفير الدعم والحماية وحول مستقبل العلاقات الدفاعية والقواعد العسكرية التي تم إخلاؤها!!
ولذلك طبيعي أن يقرأ حلفاء واشنطن الإقليميون الانسحابات والانكفاء الأمريكي في هذا التوقيت الحرج بتشكك. خاصة مع استمرار ضبابية حالة اللاحرب واللاسلم بين الولايات المتحدة وإيران في شهرها الثامن دون حل في الأفق؟ ويزيد ويعمّق تراجع الحضور العسكري الأمريكي فجوة غياب الثقة بالحليف الأمريكي المنكفئ والمنسحب؟
٭ أستاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت


















0 تعليق