دورة استثنائية لملتقى الفيلم الوثائقي الرديف… من عتمة المناجم إلى إشراقة السينما

منذ 34 دقيقة

روعة قاسم

تونس ـ «القدس العربي»: تنبض مدينة الرديف التونسية، التي ارتبط اسمها طويلا بالفوسفات والحوض المنجمي، وبذاكرة العمل والحركة الوطنية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها الخضراء، بأرواح تتنفس الثقافة وتعيد كتابة هويتها بعدسة الكاميرا وسطوة الحكاية. فبعيدا عن صورتها النمطية المرتبطة بالأرض والحديد والمناجم، تحولت المدينة خلال هذا الشهر إلى قبلة سينمائية استثنائية، على هامش ملتقى الفيلم الوثائقي، لتؤكد الرديف أنها ليست مجرد منطقة مناجم فقط بل هي قبلة لإبداع لا ينضب وملتقى لأعمال وثائقية تحمل إبداعات وبصمات مخرجيها.

ومثل مهرجان «ملتقى الفيلم الوثائقي بالرديف» فصلا جديدا من الحراك الثقافي الذي يعيد صياغة المشهد في الجهات الداخلية التونسية. حيث منحت الرديف لشبابها أدوات التعبير الحقيقي عن واقعهم وطموحاتهم.
لا يمكن قراءة ملتقى الرديف بمعزل عن المكان الذي يحتضنه. فالرديف هي إحدى مدن الحوض المنجمي بولاية قفصة التونسية، إلى جانب المتلوي وأم العرائس والمظيلة، وقد تغيرت ملامحها بصورة عميقة منذ اكتشاف الفوسفات واستغلاله في أواخر القرن التاسع عشر. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن بداية التحول المنجمي ارتبطت بسنة 1885، حين بانت عمليات الاستكشاف عن طبقات الفوسفات في المنطقة، ليتحول الحوض المنجمي تدريجيا إلى أحد أهم المجالات الصناعية والاجتماعية في تونس.
غير أن تاريخ الرديف لا يبدأ مع المنجم، فالمنطقة تنتمي إلى مجال جغرافي شديد الأهمية في دراسة التاريخ التونسي، إذ كشفت الأبحاث الأثرية عن مواقع مرتبطة بالحضارة القبصية في محيط المدينة. وساهمت أبحاث عالم الآثار والطبيب إرنست غوبير، الذي أقام بالرديف، في توثيق عدد من هذه المواقع ودراسة الأدوات واللقى المرتبطة بالحضارة القبصية.
والحضارة القبصية نفسها تحمل اسم قفصة التونسية القديمة «Capsa» باعتبارها مهد نشأتها، وقد أصبحت منطقة قفصة أهم المراكز التي عُرفت من خلالها هذه الحضارة في الدراسات الأثرية، فيما توجد مواقع قبصية مهمة في المجال الممتد حول قفصة نفسها ومن ذلك الرديف. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن منطقة قفصة التونسية كانت المجال الأساسي للحضارة القبصية النموذجية، بينما توثق أبحاث أخرى وجود مواقع مرتبطة بالحضارة القبصية في منطقة الرديف تحديدا.
وهكذا تبدو الرديف مدينة تقوم على طبقات متراكمة من الذاكرة، طبقة ما قبل التاريخ التي تكشفها المواقع القبصية، وطبقة المنجم التي صنعت المدينة الحديثة. كما توجد أيضا طبقة الأدب والفن التي حاولت تحويل التجربة الاجتماعية للمنطقة إلى سرد وصورة وشهادة.
ومن أبرز الأعمال الأدبية التي ارتبطت بالرديف رواية «يوم من أيام زمرا» للكاتب التونسي محمد صالح الجابري، وصدرت لأول مرة سنة 1968، واتخذت من منطقة زمرا، وهو جبل بمحاذاة جبل البراسيم بالرديف، فضاء للأحداث. وتتناول الرواية أوضاع تونس في زمن الاستعمار من خلال رحلة «إبراهيم» بحثا عن العمل، وما تكشفه تلك الرحلة من واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي. ولم تبق «يوم من أيام زمرا» في حدود الأدب، إذ تحولت إلى السينما من خلال فيلم «الرديف 54» للمخرج علي العبيدي سنة 1997، وهو عمل روائي استند إلى الرواية واستعاد من خلالها جانبا من تاريخ المنطقة والحركة الوطنية والواقع الاجتماعي الذي أنتجه الاستغلال الاستعماري للمنجم.
ومن هنا تكتسب عودة ملتقى الأفلام الوثائقية رمزية إستثنائية في المدينة المنجمية. فالرديف ليست مجرد مكان لعرض الأفلام، وإنما هي مدينة لها تاريخ طويل مع الصورة والسرد، حتى وإن اختلفت هذه المرة طبيعة الأعمال المعروضة بين الوثائقي والتجريبي والسينما الفنية.

برمجة ثرية تعانق شغف الصورة
شهد الملتقى على مدار أيامه برمجة سينمائية ثرية ومتنوعة، راوحت بين التجارب الوثائقية المحلية والدولية، مانحة الجمهور وجبة دسمة من النقاشات الفكرية والعروض البصرية المبتكرة. استهلت الفعاليات بافتتاح مبهر امتزجت فيه إيقاعات الموسيقى بسحر شريط العرض (16 مم)، لتبحر الأيام اللاحقة في رحاب رؤى بصرية جريئة وتجارب إنسانية فريدة من نوعها.
وتألقت البرمجة بباقة من الأفلام البارزة التي توزعت على الأيام المختلفة، فقد تابع الجمهور أعمالا لاقت صدى واسعا مثل الفيلم الوثائقي «ميرداسيات» لجهاد الملكي، و«نزهة ثنائية» لعبد الله جرادي، إضافة إلى العمل الواعد «طرق» لأسامة الملكي الذي لا يزال قيد الإنجاز. كما غاصت العروض في عوالم إنسانية وجمالية متعددة من خلال أفلام مثل «MAUDITS TOMATES» لمروى طيبة، و«CHRONICLE OF VAGABOND» لإلياس الجريدي، و«IMAGES DE TUNISIE» ليونس بن سليمان، إضافة لعروض أجنبية مثل «AU CŒUR DES VOLCANS» لوْرنر هيرتسوغ.
ويروي الفيلم الوثائقي «ميرداسيات» للمخرج جهاد الملكي جانبا من تفاصيل مدينة الرديف المنجمية، حيث يركز على الطقوس، والمشاهد اليومية، والذاكرة المحلية التي طالما غفلت عنها الكاميرات ولم تنظر إليها عن قرب. وجاء الفيلم كثمرة لبرنامج تكويني وإبداعي امتد لقرابة عامين داخل «مختبر تسير» بالرديف. ويهدف هذا المختبر إلى تمكين المواهب المحلية وبناء خزان من الكفاءات الشابة في مهن السينما والثقافة داخل المنطقة. وقد أنتج الفيلم إلى جانب أعمال وثائقية أخرى انبثقت من نفس المختبر، مثل فيلم «نزهة ثنائية» لعبد الله جرادي، وفيلم «طرق» لأسامة الملكي.
ولم تقتصر البرمجة على الفرجة وحدها، بل امتدت لتؤسس للفعل الحقيقي من خلال ورشات تكوينية متقدمة، أبرزها ورشة صنع الأفلام الوثائقية بإشراف يسر القاسمي وماورو مازوتشي وورشة عمل حول تقنيات التصوير والتحميض والخدش على الشريط السينمائي بإشراف لويك فيرديلون وكاثرين باور والتي أتاحت للشباب فرصة ملامسة المادة السينمائية الخام وصناعة أدوات تعبيرهم بأنفسهم.
رهان على الحياة
إن اختيار الرديف لاحتضان هذه الفعالية والعرس السينمائي والفني لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل هو انتصار رمزي وميداني على التهميش الثقافي الذي عانت منه الجهات الداخلية طويلا. فعلى مدى أعوام خلت، افتقرت المدينة إلى أبسط البنى التحتية التي تتيح لشباب الحوض المنجمي ارتياد عوالم الصورة وصناعة الأفلام أو إعداد ملفات الإنتاج. وجاء برنامج «تسير»، الذي تُشرف عليه جمعية «أمافي» بشراكة مع جمعية «نوماد08» المحلية، ليستجيب لهذا النقص الهيكلي بخطوة عملية من خلال تهيئة الفضاء، واستقدام الكفاءات والمكوّنين، وترك الوقت يقوم بالباقي.
وقد تجسد هذا الرهان بوضوح في الإقامة الوثائقية «نظرات متقاطعة». حيث صُممت كمرافقة متكاملة من الكتابة إلى ما بعد الإنتاج، صمدت فيها المشاريع أمام اختبار الميدان وقسوة الواقع، لتثبت قدرة أبناء الجهة على رواية حكاياتهم بأنفسهم بعيدا عن الصور النمطية.
ولم يكن ليصمد أي من هذه الإنجازات لولا «مختبر تسير»، الذي تم تجهيزه داخل مقر جمعية «نوماد08» في الأشهر الأولى للبرنامج. وصمم هذا الفضاء ليكون بنية تحتية متكاملة للعمل السمعي البصري، تضم كل ما يلزم للتصوير، والتسجيل، والمونتاج، والتكوين دون الحاجة للتنقل المستمر نحو العاصمة أو الاستعانة بمعدات مؤقتة. فالفضاء المجهز بات ملكا خالصا للمدينة ولجمعية «نوماد08»، ليحتضن التكوينات المستقبلية وعمليات التصوير التي لم تعد بحاجة لمشاريع دولية لتبرير وجودها، بل أصبحت جزءا من البنية الثقافية الحية للرديف.
إن أهمية الملتقى لا تكمن فقط في عدد الأفلام أو تنوع البلدان المشاركة، بل في علاقته بالمكان. فالسينما الوثائقية، بحكم طبيعتها، قادرة على الاقتراب من التفاصيل التي قد لا تظهر في السرد التاريخي التقليدي.
وفي الرديف تحديدا، تلتقي هذه الوظيفة التوثيقية مع تاريخ أدبي وفني سابق. فمثلما حفظ الأديب التونسي محمد صالح الجابري في «يوم من أيام زمرا» جانبا من ذاكرة المنطقة في قالب روائي، ومثلما أعاد المخرج السينمائي التونسي علي العبيدي صياغة ذلك العالم في «الرديف 54»، يأتي الملتقى اليوم ليضع الكاميرا في مواجهة زمن مختلف، هو زمن المدينة المعاصرة وما تختزنه من أسئلة.
كما أن اختيار أفلام تتناول قضايا المكان والذاكرة والهجرة والعمل والتحولات الاجتماعية، إلى جانب الأفلام التجريبية، يجعل الرديف نفسها جزءا من النقاش حول وظيفة الوثائقي وحدود علاقته بالواقع. فالفيلم الوثائقي لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يمكن أن يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وأن يمنح المشاهد فرصة لرؤية المكان من زاوية قد لا توفرها الوثيقة المكتوبة.
وبعد تسع سنوات من الغياب، لا يمثل رجوع ملتقى الرديف للأفلام الوثائقية مجرد استئناف لتظاهرة ثقافية توقفت، وإنما محاولة لإعادة بناء فضاء سينمائي في منطقة تمتلك رصيدا تاريخيا وأدبيا واجتماعيا استثنائيا. وبين الحضارة القبصية التي جعلت من محيط الرديف جزءا من أقدم ذاكرة إنسانية موثقة، والمنجم الذي صنع تاريخ المدينة الحديثة، والأدب الذي حولها إلى فضاء سردي، تأتي السينما لتضيف طبقة جديدة إلى هذه الذاكرة.
ولعل أهم ما يمكن أن يحققه هذا الملتقى هو أن تصبح الرديف، إلى جانب كونها مدينة منجمية، مدينة تنتج صورتها بنفسها، لا أن تظل مجرد موضوع تتحدث عنه التقارير والكتب والأفلام القادمة من خارجها. فحين يتعلم شبابها صناعة الفيلم، وحين تعرض في فضائها أعمال تونسية وعربية ودولية، تتحول المدينة من خلفية للأحداث إلى طرف في صناعة الثقافة. فالغاية من هذه العودة هي أن تستعيد الرديف الشاشة، كما استعادها الأدب من قبل، وأن تجعل من السينما وسيلة أخرى لقراءة تاريخ المكان وحاضره وأسئلته المفتوحة.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق