لم تكن سيطرة مليشيات الحوثي على مناطق الساحل الغربي في اليمن مجرد تحول عسكري في خارطة النزاع المسلح، بل شكلت بداية لفصل مأساوي من الانتهاكات الممنهجة التي طالت كافة مفاصل الحياة اليومية للسكّان المدنيين، وحولت المرافق الخدمية والتنموية من حق أصيل للمواطنين إلى أداة للابتزاز السياسي والمالي والتجسس الأمني.
ففي الوقت الذي كانت فيه مدينة المخا ومديريات مثل الوازعية تنعم باستقرار نسبي في تزويد التيار الكهربائي والوصول إلى شبكات الإنترنت المستقلة في ظل سيطرة المقاومة اليمنية، بادرت المليشيات الحوثية فور فرض سيطرتها إلى تصفية هذه الخدمات وحرمان السكان منها، مستعيضة عن ذلك بمنظومة جباية طائفية وأمنية تهدف إلى إخضاع المجتمع المحلي وتجريده من مقومات الصمود، وهو ما توثقه بوضوح الشهادات الميدانية والتقارير الحقوقية والأممية الصادرة مؤخرًا.
تدمير القطاعات الخدمية ومصادرة الاتصالات لتكريس التجسس والجباية
تجسد الممارسات الحوثية في مدن الساحل الغربي سياسة حرمان منظمة تعتمد على تقطيع أوصال المجتمع وعزله عن العالم الخارجي، حيث أقدمت المليشيات على إيقاف وشلل كافة شبكات الاتصال بالإنترنت المعتمدة على تقنية "ستارلينك" الفضائية بشكل كامل، مع تنفيذ حملات مداهمة أمنية استهدفت نهب وتدمير المحطات والأجهزة المملوكة لمستثمرين شباب من أبناء مدينة المخا.
وفي المقابل، سارعت المليشيات إلى بناء أبراج اتصالات جديدة تابعة لشركاتها الخاضعة للسيطرة المباشرة في صنعاء، ومباشرة تفعيل خدمات "الفور جي" التابعة لها خلال زمن قياسي، بهدف فرض الرقابة الأمنية المشددة، واحتكار قطاع الاتصالات، وتحويل خدمة الإنترنت إلى وسيلة للابتزاز المالي والتجسس على حركة المواطنين وتواصلاتهم.
ولم تقف الانتهاكات الخدمية عند حدود قطاع الاتصالات، بل امتدت لتطال قطاع الطاقة الكهربائية الذي تعرض لعمليات مصادرة ونهب واسعة النطاق، تمثلت في السيطرة على محطة كهرباء الطاقة الشمسية في مدينة المخا وتحويلها من مرافق خدمة عامة إلى مشروع استثماري خاص يدر أموالًا هائلة لصالح قيادات المليشيا.
وبدلًا من تشغيل المحطة لتخفيف معاناة السكان في المناطق الساحلية الشديدة الحرارة، فرضت المليشيات مبالغ مالية باهظة على الأهالي تحت ذريعة "تأمين وقود الديزل" لتشغيل الكهرباء لساعات محدودة خلال الليل فقط، مما ضاعف الأعباء المعيشية على كاهل العائلات المعدمة وكرس حالة العتمة والاحتياج التي تعيشها تلك المناطق.
نهب الممتلكات والجبايات القسرية: قراءة في الأرقام والتقارير الأممية
إن هذه السلوكيات الميدانية تسير بالتوازي مع حركة جباية مالية محمومة تستهدف شل الحركة الاقتصادية المحلية وإفقار المواطنين بشكل متعمد؛ إذ شرعت هيئة الزكاة التابعة للمليشيات الحوثية في وجهات الساحل الغربي بإشعار التجار والمالكين كتابيًا بضرورة سداد مبالغ مالية متأخرة عن تسع سنوات سابقة، مع فرض إتاوات ورسوم غير قانونية تحت مسميات مختلفة تمس حتى السلع الأساسية والمواد الغذائية.
وتتطابق هذه الشهادات الميدانية مع التقارير الصادرة عن لجنة الخبراء الأممية المستقلة التابعة للأمم المتحدة والمعنية باليمن، والتي أكدت في أحدث مراجعاتها الصادرة بجدول زمني محدد خلال عام 2024، أن المليشيات الحوثية تستخدم الجبايات والإتاوات غير القانونية كأداة لتمويل مجهودها الحربي وإثراء قياداتها، حيث قدر التقرير الأممي إجمالي الإيرادات غير القانونية التي تتحصل عليها المليشيات من القطاعات الخدمية والتجارية وأسواق الطاقة الموازية بأكثر من 2.2 مليار دولار سنويًا.
كما أوضح التقرير الصادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (OHCHR) في أحدث بياناتها الموثقة، أن تدمير ومصادرة البنية التحتية للخدمات الأساسية في اليمن تسبب في نزوح أكثر من 4.5 مليون شخص داخل البلاد، مع تقييد وصول السكّان إلى المياه الصالحة للشرب والكهرباء بنسبة تجاوزت 65% في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيات الحوثية.
وفي السياق ذاته، كشف التقرير السنوي الصادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات لعام 2024/2025 عن توثيق أكثر من 3،800 حالة انتهاك لحقوق الملكية الخاصة والعامة ارتكبتها المليشيات الحوثية في مناطق الساحل الغربي، وشملت مصادرة المحطات الخدمية، ونهب أجهزة الاتصالات، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات تحت غطاء أحكام قضائية صورية صادر عن محاكم غير شرعية.
تجريف التعليم وتطييف المناهج: استراتيجية الحرمان والتجهيل الممنهج
على صعيد آخر، تمثل الحرب الناعمة التي تشنها المليشيات الحوثية على قطاع التعليم إحدى أخطر أدوات تجريف الهوية الوطنية في مناطق المخا والوازعية، حيث سارعت المليشيات إلى فرض تغييرات جذرية على المناهج الدراسية وصبغ المقررات والمواد التعليمية بطابع طائفي وسلالي مقيت، وفق ما أكده مواطنون ونشطاء حقوقيون. ولم تكتف المليشيات بتغيير المحتوى الدراسي، بل فرضت جمع رسوم مالية قسرية غير قانونية من الطلبة وأولياء أمورهم لدعم ما يسمى بـ "المجهود الحربي"، مما أدى إلى تسرب آلاف الأطفال من المدارس وعجز الأسر الفقيرة عن تحمل تكاليف التعليم الأساسي.
تؤكد هذه المعطيات والأرقام الصادرة عن الهيئات الدولية والحقوقية أن الانتهاكات الحوثية في الساحل الغربي تتجاوز التجاوزات الفردية لتصبح استراتيجية إدارة قائمة على النهب المنظم وتفتيت البنية الاجتماعية.
وأمام هذا الواقع المعقد، يستمر الرهان على وعي أبناء هذه المناطق والجهود الحقوقية لتفكيك هذه السياسات وتوثيق الجرائم لضمان محاسبة المتورطين فيها مستقبلًا.
- مع محاكمة نشطاء التضامن مع فلسطين “أولم 5″… ألمانيا تبدو دولة بوليسية أكثر فأكثر
- التقلبات الجوية.. إنقاذ أب وابنته والبحث جار عن مفقودين جرفتهم السيول متواصلة
- بالصور..الخضر يشرعون في التحضيرات لمواجهة النيجر وديا
- وزير فرنسي: أكثر من 5000 معتقل خلال احتجاجات المدارس هذا الأسبوع
- سطيف.. وفاة شابين وإصابة 6 آخرين في اصطدام تسلسلي بحمام السخنة















0 تعليق