من يؤمن قهوة «أبو صالح» المحاصر من المستوطنين على قمة جبل على أطراف مدينة رام الله الشمالية؟!

منذ ساعة

سعيد أبو معلا

رام الله- «القدس العربي»: يعيش محمد العبيات، أبو صالح، على قمة جبل في قرية «أم صفا»، شمال غرب مدينة رام الله، محاصرا من عصابات المستوطنين منذ أكثر من أسبوعين متتاليين.
ويقع منزله البسيط على نقطة ضمن سلسلة تلال مطلة تتوسط مستوطنة إسرائيلية تحمل اسم «عطيرت أ» التي دشنت قبل نحو 30 عاما، وكذلك بؤرة استيطانية دشنت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023 وتحمل اسم «عطيرت ب».
ويقع منزله المحاصر في المنطقة الشرقية من البلدة الصغيرة، التي لا يزيد عدد سكانها عن 700 نسمة، والمحاصرة منذ سنوات ثلاث حيث تشهد أكبر عملية مصادر وقضم لأراضيها التي تبلغ مساحتها نحو 4,800 دونم خدمة للمشاريع الاستيطانية التي تجاورها.
ويعيش أبو صالح، الذي سهر طوال ساعات الليل مراقبا جرافة خاصة بالمستوطنين مخاوفه أن تداهم منزلهم المحاصر والذي يعيش فيه عائلته المكونة من 15 فردا.
يضيف للـ«القدس العربي»: «لقد بقيت سهران طوال الليل، صليت الفجر ثم أكملت مراقبة الجرافة التي جلبها مستوطنون مخاوفه الهجوم على منزلي».
ولا يدرك أبو صالح، الذي يعيش على قمة الجبل منذ نحو ستين عاما، أن القهوة التي يصادف أمس احتفال العالم وعشاق القهوة بيومها العالمي، في طريقها للنفاذ من منزله.
يتابع في حديثه: «اشتريت كمية كبيرة من مقهى المنار القريب من مسجد جمال عبد الناصر وسط مدينة رام الله، عادة أشتري كميات أقل لكن الحاجة فرضت شراء كمية أكبر كي نشربها ونبقى يقظين.. هذه طريقة مهمة ومجربة إلى جانب الشاي والنسكافية».
وبسبب كثافة شرب القهوة مع بقية أفراد عائلته أملا في انقضاء ساعات الليل من دون نوم تقارب الكمية التي اشتراها مؤخرا على النفاذ، وهو أمر يعزز مخاوفه مع اشتداد الحصار على المنزل وعدم مقدرته على المغادرة.
وبالنسبة للحاج العبيات الذي يعود أصله إلى منطقة التعامرة في مدينة بيت لحم فإن القهوة التي تعتبر منبها قويا أصبحت حاجة ملحة تختلف عن حاجة مختلف سكان العالم.
وغالبا ما ترتبط القهوة بمشاعر هائلة من الرومانسية والدفء وتعديل المزاج في ساعات الصباح والمساء، لكن العبيات الذي غلي وشرب القهوة مذ كان عمره 16 عاما يعيش مشاعر لا تشبه العالم بعلاقته مع هذا المشروب الأسود الشهير.
ويوافق اليوم العالمي للقهوة الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر من كل عام للاحتفال بهذا المشروب العالمي وهي مناسبة تهدف إلى دعم العاملين في قطاع القهوة، إلى جانب تسليط الضوء على رحلة القهوة من الحبة إلى الفنجان، وكذلك تحسين ظروف عمل مزارعيها وعمالها ودعم تجارتها العادلة.
وأقرت منظمة القهوة الدولية (ICO) لأول مرة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2015 بمدينة ميلان الإيطالية، اليوم العالمي للقهوة واعتمدته الأمم المتحدة رسمياً في عام 2026، ويستهلك العالم ما يقرب من 2.25 مليار كوب من القهوة يومياً.
وهناك ما يميز قهوة الفلسطيني السبعيني أبو صالح، فهي منبه يتضاعف الحاجة إليه وكذلك مفعوله مع زيادة مشاعر التوتر والقلق والخوف وتحديدا في الليالي الباردة التي تمتاز بها مرتفعات محافظة رام الله في بداية فصل الخريف.
واحتفلت شركات فلسطينية متخصصة في القهوة ومنها قهوة ازحيمان التي بدأت في عملية تحضير القهوة منذ نحو مئة عام متواصلة.
واليوم تقوم عائلة أبو صالح بإعداد برادات القهوة الكثيرة لتناسب الأيام الصعبة التي تعيشها العائلة المنكوبة والتي تعيش حصارا مشددا بهدف إجبار العائلة على ترك منزلها.
يقول أبو صالح: «جاء أحد المستوطنين قبل فترة إلي وقال: «مش عارف كيف أنت عايش هون.. مش لازم تكون في هذا المكان».
وتخفي الكلمات البسيطة من مستوطن متطرف يعرفه أبو صالح جيدا رغبة عميقة في التهجير واليوم يصل حصار المنزل عبر البوابات والأسلاك الشائكة لليوم الخامس عشر من دون أن يتمكن من مغادرة المنزل أو حتى من إخراج الأغنام للرعي في المناطق المحيطة.
وخلال الأيام الماضية التي تشهد احتفالات المستوطنين بـ»عيد العرش» عاشت العائلة المكونة من زوجته وأبنائه وبناته إلى جحيم يفعل تزايد حضور المستوطنين للمكان.
«كلما صعد المزيد من المستوطنين الجبل كلما زاد الحصار، قبل أيام جاء وزير المالية ومئات السيارات ولحظتها زاد الحصار والاعتداءات. وجاءت عائلة أبو صالح إلى المكان في عام 1975، وكانت النية البقاء في المكان لعام أو عامين على الأكثر لكن تحويل المراعي التي كانوا يتواجدون فيها في منطقة الأغوار الشمالية إلى معسكرات لتدريب الجيش الإسرائيلي دفع بهم للبقاء في المكان.
يتابع: «لقد جمعت ما أقدر عليه من أموال واشتريت الأرض وبنيت الدار، وأنا هنا منذ ذلك التاريخ».
يسرد جانبا من المعاناة اليومية: «كانت عائلتي مريضة وكان عليها أن تزور الطبيب، لقد نزلت من الجبل مشيا إلى الشارع الاستيطاني، من ثم قطعنا البوابة وانتظرنا سيارة كي تقلنا إلى رام الله.. إنها مشقة لا يمكن تخيلها».
وجل مخاوف أبو صالح تتجاوز نفسه، فهي تنحصر في أبنائه الإثنين غير المتزوجين إلى جانب أغنامه اللواتي يحتجن إلى طعام بعد نفاد كميات العلف والغذاء المخصص لهن.
وحول الشابين يقول: «لقد تعرضنا للضرب والإهانة، أنا أخاف عليهما كثيرا، فهما يقولان دوما: «حياتنا في ظل الذل لا تطاق، لماذا نعيش هذه الحياة».
يتابع: «أحد أبنائي تعرض للضرب المبرح قبل أيام، لقد تقطبت جروحه، قضى ساعات المساء والليل وحيدا خارج المنزل، لم ينم طوال الليل، ظل يفكر في حالنا وما تعرض له».
ويتعمد المستوطنون تنفيذ هجمات يومية على المنازل والمعدات وسيارات عائلة أبو صالح، كما يتعمدوا الاعتداء على أبنائه في محاولة للاستفزاز وإثارة غضبهم.
ويذكر مثالا على الهجمات: «لقد قام 15 مستوطن بركوب مرجوحة للأطفال خارج المنزل.. تخيل ذلك.. لقد دمروها تماما».
ويتابع الحاج العبيات أخبار عائلة الطوباسي في بلدة جلود جنوب نابلس، وتحديدا مهاجمة عشرات المستوطنين، وتحديدا بعد ساعات من عودة العائلة إلى منزليها في منطقة الظهر جنوب شرق القرية، بموجب قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، قبل أن يهاجم المستوطنون المنطقة ويحرقوا المنزلين ومركبة، فيما أُجبرت العائلة على مغادرتهما مجددًا ويخاف أن يتكرر الامر مع عائلته.
وللعائلة أطفال في الصف الثالث والرابع فيما لا يسمح الحصار وبعد المدرسة وصعوبة الطريق بذهابهم لنيل تحصيلهم العلمي وهو ما يعمق وجع العائلة وإحساسها بالخسارة.
وكان السؤال الأخير لأبو صالح حول ما يحتاجه بشكل عاجل تناسى نفسه والعائلة واهتم بالأغنام التي يربيها، فقال: «عندي روس غنم في بركس صغير وطعامها قارب على النفاذ وتحتاج طعاما للأكل.. هذا ما أريده».
وتعيش قرية أم صفا، الواقعة على تلال شمال غرب رام الله، تحت وطأة حصار واستهداف وتنكيل مزدوجين من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، في مشهد يعكس معاناة الضفة الغربية. ويعاني مختلف السكان من إغلاق مداخل القرية ببوابات حديدية وأكوام ترابية، بما في ذلك الطريق المؤدية إلى مقبرة القرية. كما يُمنع المزارعون من جني محاصيلهم أو فلاحة أراضيهم، في محاولة لخنق الحياة في القرية.
ويأتي ذلك ليفسح المجال للمستوطنين القادمين من مستوطنات حلميش، عطيرت، ونفيه تسوف – التي التهمت مساحات شاسعة من أراضي القرية – حيث لا يكتفون بالتوسع العمراني، بل يواصلون تجريف الأراضي الزراعية، وهدم المنازل، وتدمير الكروم، واقتلاع أشجار الزيتون، ومطاردة أرزاق سكانها، وقطع طرقهم الرئيسية، وذلك كله تحت حماية عسكرية واضحة من جيش الاحتلال.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق