سيف ديموقليس فوق سبتة ومليلية!

منذ 34 دقيقة

خلال هذه الفترة التي تشهد فيها العلاقات المغربية – الإسبانية توترا في مستويات مختلفة، نتيجة مأساة سبتة يوم 30 يوليو، يوجد جدل واختلاف حول ما إذا كان على المغاربة طرح مشكلة السيادة في سبتة ومليلية المحتلتين أم لا. ويأتي هذا النقاش الشائك بسبب قرار البرلمان الأوروبي، في سابقة تاريخية، الذي اعتبر المدينتين إسبانيتين، وأنه لا يحق للمغرب مساءلة ذلك.
يوجد تيار سياسي وثقافي في المغرب يعتبر أن البلاد تمر بفترة حساسة بسبب مأساة سبتة المحتلة، وهي الاقتحام الجماعي لنحو 80 ألف مغربي لهذه المدينة، وما خلّفته من 141 غريقا، وكيف يعمل اليمين الإسباني، رفقة تيارات متعددة في أوروبا، خاصة اليمين المحافظ والمتطرف القومي، على محاصرة المغرب، بعدما بدأ يتبين لهذا اليمين انتقال هذا المغرب، إلى مصاف الدول الإقليمية، لا سيما بعد التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبالتالي، يستحسن الصمت بشأن سبتة ومليلية في الوقت الراهن.
في المقابل، يوجد تيار آخر يرى ضرورة استحضار احتلال المدينتين، لا سيما في الظرف التاريخي الحساس الذي يريد البرلمان الأوروبي تمرير مواقف ستكون لها انعكاسات خطيرة مستقبلا، لأن صمت اليوم فاتورته ستكون مرتفعة غدا. ويتعلق الأمر ببنود بيان البرلمان الأوروبي يوم 17 سبتمبر الجاري، التي طالبت المغرب بعدم التشكيك في إسبانية سبتة ومليلية، وهو موقف تبنته المفوضية الأوروبية كذلك على لسان رئيستها أورسولا فان دير لاين يوم 16 من الشهر الجاري. لم يسبق للبرلمان أن تبنى موقفا مماثلا بهذه الحدة ولا رئاسة المفوضية.
ويقدم التاريخ دروسا تكون بمثابة منارة، أو بوصلة جيوسياسية لا سيما في التعامل مع الجيران، الذين لا يتغيرون بحكم الجغرافيا، فالتاريخ غني بالأمثلة التي تبرز كيف تتصرف الشعوب إبان الأزمات، أو في فترات السلام. وفي هذه الحالة في ما يتعلق بملف المدينتين المحتلتين، ففي سنة 1767، وقع المغرب، بقيادة السلطان محمد بن عبد الله، على اتفاقية سلام مع إسبانيا، غير أنه قام لاحقا بمحاولة استعادة سبتة ومليلية المحتلتين، واعتبر أن اتفاقية السلام غير ملزمة للمغرب عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حدوده، ومحاولة استعادة السواحل المحتلة. وفي مثال آخر قريب زمنيا، وبعد الانتقال الديمقراطي في إسبانيا سنة 1975 بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، استرجع المغرب الصحراء الغربية عبر مراحل، وكان يتعرض لحرب قوية من طرف جبهة البوليساريو، ودعم علني من دول عديدة، على رأسها الجزائر ثم ليبيا، ودعم استخباراتي غير معلن من طرف إسبانيا، ذلك أن تيارا في هذا البلد الأوروبي يميل إلى حرمان المغرب من الصحراء حتى يبقى الجار الجنوبي ضعيفا دائما، ورغم التقدم الديمقراطي في إسبانيا، إلا أن الهاجس من الجنوب يحضر بحس أمني ومنذ إيزابيلا الكاثوليكية التي ماتت وهي تشير إلى ضرورة استعمار شمال افريقيا، خاصة منطقة المغرب. لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني يتردد، في كل مناسبة، في المطالبة باستعادة سبتة ومليلية، إلى مستوى أن إسبانيا فكرت في إعادة مليلية إلى المغرب واقتسام السيادة على سبتة عبر تحويلها الى إمارة ذات سيادة مشتركة.

يقدم التاريخ دروسا هي بمثابة منارة، أو بوصلة جيوسياسية لا سيما في التعامل مع الجيران، الذين لا يتغيرون بحكم الجغرافيا، فالأمثلة تبرز كيف تتصرف الشعوب إبان الأزمات، أو في فترات السلام

نجحت الطبقة السياسية والعسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية في المغرب في تلك الحقبة في جعل إسبانيا لا تستطيع نقل ملف سبتة ومليلية، لا إلى الحلف الأطلسي ولا إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته، نجح المغرب في جعل رئيس الحكومة الإسبانية وقتها، فيلبي غونثالث، يلبي طلب الملك الراحل الحسن الثاني، بتأسيس لجنة تفكير مشتركة حول مستقبل المدينتين، ونجح في منع الملك والوزراء من زيارة المدينتين. وتم إنشاء لجنة ابن رشد لدراسة المشاكل العالقة بين البلدين، وكانت ستارا لمطلب الحسن الثاني، غير أن الحزب الشعبي ناور بعد وصوله إلى السلطة سنة 1996 برئاسة خوسي ماريا أثنار، وفكك اللجنة تدريجيا، لأنه كان يعلم بالمخطط. وكان المغرب قد وقع اتفاقية الصداقة وحسن الجوار سنة 1991 مع إسبانيا، لكن هذا لم يمنعه من طرح ملف سبتة ومليلية. وحدث هذا في وقت كان المغرب حينه يواجه حرب الصحراء ومحاصرا، ولم يكن يدعي أنه بدأ يتحول إلى قوة إقليمية، كما يذهب إلى ذلك عدد من الأصوات الآن.
في الوقت ذاته، يحاول البعض التقليل من قرارات البرلمان الأوروبي، وهو الهيئة التي اتخذت قرارات تمس الوحدة الوطنية للمغرب في مناسبتين، الأولى في يونيو 2021، بعد الاقتحام الجماعي الأول لسبتة منتصف مايو، حيث اعتبر سبتة ومليلية أراضي إسبانية. والثانية يوم 17 سبتمبر الجاري، وانتقل فيها إلى مستوى أعلى من الروح الاستعمارية بمطالبة المغرب بعدم التشكيك في إسبانية المدينتين المحتلتين. وإذا كان البرلمان الأوروبي غير أساسي، هنا يحضر التساؤل: لماذا احتج المغرب رسميا خلال يناير 2023 على هذه الهيئة التشريعية عندما أصدرت تقريرا يندد بتراجع حقوق الإنسان في المغرب؟ صدر بيان عن البرلمان المغربي للرد على نظيره الأوروبي، وصدر بيان عن المجلس الأعلى للقضاء للرد على البرلمان نفسه، هل الدفاع عن الصورة الحقوقية للمغرب أكثر من الدفاع عن حقوق السيادة التاريخية للبلاد؟ عموما، قد يتفهم المرء صمت الدولة المغربية أمام الهجمة الأوروبية بسبب مأساة سبتة، لا سيما في ظل غياب دعم من الجامعة العربية والاتحاد الافريقي للمغرب. إلا أن صمت المثقفين والسياسيين يبقى غير صائب، لا سيما فريق من هؤلاء يريد فرض أطروحة الصمت باسم البراغماتية، وكأن على الجميع ضرورة تبني الموقف نفسه والرواية نفسها. في سبتمبر 1997، شهدت مليلية احتفالات إسبانية بمناسبة الذكرى 500 لاحتلال هذه المدينة، قامت الأحزاب الوطنية بزعامة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل بالاحتجاج ومراسلة الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي والأمم المتحدة. حدث هذا في وقت كانت هذه الأحزاب تستعد لتولي حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي، وكانت الدولة تتفاوض مع إسبانيا حول الخط الثاني للموبايل الذي كان سينقذ نسبيا الاقتصاد المغربي من «السكتة القلبية» التي أعلنها الملك الحسن الثاني صيف تلك السنة.
في غضون ذلك، يتابع المرء التعدد في الآراء والأطروحات المتطاحنة بين التيارات السياسية والمثقفين والإعلاميين في إسبانيا، الناتجة عن مأساة سبتة المحتلة ومنها ملف سبتة ومليلية. ويدرك وقتها أن الدول تتقدم بالنقاش الحر، وليس بسيوف ديموقليس، وما أكثرها في عالمنا العربي، حتى إنها امتدت إلى الرقابة على الحق في نقاش حقوق السيادة التاريخية من طرف صنف خاص من «المثقفين والسياسيين»، وبالمناسبة بعضهم من غلاة التطبيع مع الكيان.

كاتب مغربي

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق