لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعده زاك دورفمان قال فيه إن رواية ممنوعة كتبها عميل سابق للمخابرات الأمريكية – سي آي إيه، كشفت، رغم طابعها الروائي، عن الخلل الوظيفي في داخل الوكالة الاستخباراتية المهمة.
وقد صدر الكتاب بعد حظر استمر 12 عاما، وإن بتنقيحات وتعديلات كبيرة قاومها الكاتب. ويرسم الكاتب صورة ساخرة لاذعة لبرنامج التجسس السري العميق التابع للوكالة، مظهرا أنه يعاني من خلل بنيوي. ويحمل الكتاب عنوان “مصنع المخلل”، وهو من تأليف ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية كان يعمل تحت غطاء غير رسمي، ويستخدم اسما مستعارا هو سام أر. أويكن، ويصنف كعمل روائي.
ورغم طابعه الخيالي في كثير من الأحيان، إلا أنه يتضمن تفاصيل واقعية مقنعة حول آليات عمل عمليات التجسس التي تقوم بها الوكالة، وفقا لمسؤولين سابقين في وكالة المخابرات المركزية.
ويعمل معظم ضباط وكالة المخابرات المركزية تحت ما يعرف بـ”الغطاء الرسمي”، حيث يتنكرون عادة في زي دبلوماسيين أمريكيين في الخارج. فيما لا يتمتع ضباط الغطاء غير الرسمي، الذين غالبا ما يتظاهرون بأنهم رجال أعمال أو مستشارون ولا تربطهم أي صلات ظاهرة بالحكومة الأمريكية، بأي حصانة دبلوماسية. ونظرا للمخاطر المحتملة لمهامهم، والمشاركة السرية لشركات أمريكية توفر لهم الغطاء، تحاط عمليات ضباط الغطاء غير الرسمي بسرية تامة داخل سي آي إيه.
نظرا للمخاطر المحتملة لمهامهم، والمشاركة السرية لشركات أمريكية توفر لهم الغطاء، تحاط عمليات ضباط الغطاء غير الرسمي بسرية تامة داخل سي آي إيه
وتعتبر رواية “مصنع المخلل”، التي نشرت أواخر تموز/يوليو، تتويجا لما وصفه المؤلف بمعركة استمرت سنوات ضد رقابة الوكالة، التي رفضت نشر المخطوطة لأول مرة عام 2014. وقد أشارت إليها صحيفة “واشنطن بوست” باسمه المستعار، حيث لا يزال العميل السابق في مركز العمليات الوطنية يعمل متخفيا.
ويطلب من موظفي سي آي إيه السابقين تقديم جميع أعمالهم التي قد تكون ذات صلة بمسيرتهم المهنية في الوكالة إلى مجلس مراجعة تصنيف ما قبل النشر التابع للوكالة، وذلك لتنقيحها واستبعاد المعلومات المصنفة سرا.
وقال أويكن في مقابلة: “أصروا لسنوات بعد أن قدمت مخطوطة روايتي على أنني لا أستطيع نشر كلمة واحدة، وهو انتهاك صارخ للتعديل الأول للدستور”.
وقد ألغى المدير التنفيذي لوكالة المخابرات المركزية آنذاك، ميرو بارك، الحظر الشامل عام 2017، لكن الوكالة “حاولت بعد ذلك تنقيح أكثر من نصف الكتاب، وهو ما قاومته، تنقيحا تلو الآخر، حتى استسلموا”، على حد قوله. ولم تحصل الصحيفة على تعليق من بارك أو الوكالة اللذين لم يردا على استفساراتها.
بدأت قصة الكتاب تخرج للعلن عام 2015، عندما رفع أويكن – الذي كان يستخدم آنذاك اسما مستعارا هو ماك تشارلز في وثائق المحكمة – دعوى قضائية بقيمة 25 مليون دولار ضد سي آي إيه أمام محكمة مقاطعة كولومبيا، مدعيا أن مسؤولي الوكالة تآمروا لفصله، وهو عميل مخضرم في الوكالة خدم فيها 13 عاما، بسبب رفضهم لعلاقته العاطفية مع ضابطة أخرى تعمل في سرية تامة، كانت خطيبته وتصغره بعشرين عاما.
ووفقا للدعوى القضائية المرفوعة عام 2015، فصل أويكن من وكالة المخابرات المركزية في ديسمبر 2010، واتهم الوكالة بقمع كتابه كجزء من حملة انتقامية أوسع.
وقد رفضت دعواه ضد الوكالة لأسباب إجرائية في آذار/مارس 2016. ويبدو أن مرور الوقت والتغييرات التي طرأت على الوكالة قد خففت من حدة المخاوف المحيطة بالكتاب، ومنحت قيادة وكالة المخابرات المركزية أويكن الموافقة النهائية على نشر “مصنع المخلل” في أوائل عام 2026.
وتقول الصحيفة إن كتب عملاء المخابرات السابقين واجهت دائما مقاومة شديدة داخل وكالة المخابرات المركزية.
وأثار نشر كتاب “الحياة السرية” عام 2019، وهو مذكرات للضابطة السابقة المتخفية أماريلليس فوكس كينيدي، جدلا واسعا عندما ظهرت تقارير تفيد بأنها لم تحصل على الموافقة النهائية من سي آي إيه لنشر كتابها. ويبدو أن فوكس كينيدي، التي شغلت حتى وقت قريب منصبا رفيعا في مكتب مدير المخابرات الوطنية ومكتب الإدارة والميزانية في إدارة ترامب، لم تواجه أي عقوبة من الوكالة.
وقد رفعت الوكالة دعوى قضائية ضد عميل سابق كان يعمل بدون غطاء رسمي وكتب تحت اسم مستعار هو إسماعيل جونز، لنشره كتابا نقديا واقعيا صدر عام 2008، روى فيه تجربته الشخصية داخل برنامج العمليات السرية. ولم يخضع كتاب جونز، “العامل البشري”، لمراجعة رقابة الوكالة. وفي عام 2012، أمر قاض فيدرالي جونز بالتنازل عن أي أرباح من مبيعات الكتاب المستقبلية.
يسرد “مصنع المخلل” مساعي الوكالة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر للحصول على مليارات الدولارات من التمويل الذي خصصه الكونغرس لبرنامج العملاء بدون غطاء رسمي الموسع بشكل كبير، وربما إعادة توجيهها سرا لأغراض أخرى
ويعيد كتاب “مصنع المخلل” إحياء ما يعتبره العديد من خريجي سي آي إيه، فصلا حزينا في تاريخ برنامج العمليات السرية التابع للوكالة. فإضافة إلى انتقاد عدد من كبار مسؤولي الوكالة السابقين الذين أشرفوا على كادر العملاء الذين يعملون بدون غطاء رسمي والذين لم تضف سيرهم الذاتية (وأحيانا أسماؤهم) لمسة خيالية تذكر، يسرد “مصنع المخلل” مساعي الوكالة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر للحصول على مليارات الدولارات من التمويل الذي خصصه الكونغرس لبرنامج العملاء بدون غطاء رسمي الموسع بشكل كبير، وربما إعادة توجيهها سرا لأغراض أخرى.
وقد وصف زميل سابق لأويكن، كان يعمل في مجال العمليات السرية، والذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، التوسع الذي شهده برنامج مراكز العمليات الوطنية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر بأنه “كارثة” حقيقية، “حيث كانت النتائج ثانوية، والإيرادات هي الأهم، والإنفاق هو المعيار”.
وتقول الصحيفة إن جزءا كبيرا من عمل أويكن مع الوكالة لا يزال محاطا بالسرية. ووفقا للزميل نفسه، فقد ربطت مسيرته المهنية بين حقبتين في وكالة المخابرات المركزية: برنامج العمليات السرية المصمم خصيصا والموجه بدقة، والذي كان قائما في الوكالة قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وبرنامج العملاء بدون غطاء رسمي الموسع الذي تلاه، والذي تم فيه إرسال كوادر شابة وغير مدربة تدريبا كافيا إلى الميدان على عجل. وقد تضمن جزء من هذه المبادرة نشر مجموعات من هؤلاء الكوادر الجديدة في نحو اثنتي عشرة “منصة” سرية في الخارج، وبحلول عام 2008، باءت جميع هذه الجهود تقريبا بالفشل.
وكان أويكن قد انضم إلى سي آي إيه عام 1996، وهو خريج كلية الحقوق بجامعة هارفارد يجيد الفرنسية، وعمل قبل ذلك في شركة المحاماة المرموقة “كوفينغتون آند بيرلينغ”، وذلك وفقا لمجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية واطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”.
وفي عام 1999، تم اختياره لمهمة سرية عميقة في الخارج لمدة 20 عاما، وهي فترة طويلة بشكل غير معتاد بالنسبة لضباط يعملون بدون غطاء رسمي. وتشير الوثائق، التي خضع بعضها للتنقيح، إلى مهمة في مكان ما في أوروبا.
وقد تم تقصير المهمة لأسباب غير واضحة، كما تشير الدفعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية واطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”. ووفقا لمسؤول سابق آخر في وكالة المخابرات المركزية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فقد انتهت المهمة بسبب مشكلة تتعلق بمكافحة التجسس لا علاقة لها بأداء أويكن. وبحسب الوثائق، عين أويكن لاحقا مشرفا على متدربي سي آي إيه.
يشار إلى أويكن في الوثائق التي رفعت عنها السرية بـ”كيو ارأن”، وهو مصطلح يقول زملاء سابقون في وكالة المخابرات المركزية إنه يشير إلى “عملاء بدون غطاء رسمي للرد السريع”، وهي مجموعة نخبة من الضباط المتخفين
ثم اختير في مركز ضمن برنامج العملاء بدون غطاء رسمي، وذلك وفقا لوثائق المحكمة والدفعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية واطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”. ويشار إلى أويكن في الوثائق التي رفعت عنها السرية بـ”كيو ارأن”، وهو مصطلح يقول زملاء سابقون في وكالة المخابرات المركزية إنه يشير إلى “عملاء بدون غطاء رسمي للرد السريع”، وهي مجموعة نخبة من الضباط المتخفين الذين غالبا ما يسافرون بجوازات سفر غير أمريكية للقيام بمهام بالغة الحساسية تتعلق بجمع المعلومات الاستخباراتية أو التنصت في الخارج.
وتشير وثائق المحكمة إلى أنه بعد فترة عمله كمدرب، شغل أويكن منصب رئيس وحدة الاستجابة السريعة، حيث ذكرت أنه “مارس سلطة إشرافية على أكثر من 80 مرؤوسا، بمن فيهم ضباط عمليات آخرون في مجموعته من العملاء بدون غطاء رسمي”.
ووفقا للوثائق التي رفعت عنها السرية، كان فصل أويكن من سي آي إيه أمرا مثيرا للجدل ومريرا. فقد اتهمه رؤساؤه بارتكاب مخالفات مالية وإقامة علاقات عاطفية غير لائقة مع مرؤوسات والتغيب عن مهامه الإدارية والتنمر عليهن. كما أعرب مسؤولو الوكالة عن أسفهم لقلة عدد المجندين الذين انضموا إلى صفوفها، وفقا للوثائق التي رُفعت عنها السرية.
وذكرت إحدى مذكرات الوكالة التي رفعت عنها السرية، واطلعت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، أن سلوكه “كان حالة مزمنة من السلوك طويل الأمد الذي أدى إلى تآكل ثقة الإدارة به تماما”. وقد نفى أويكن هذه الادعاءات بشدة، حيث قال في مقابلة: “هاجموني كقطيع من الكلاب الضالة”.
وتكشف الوثائق التي رفعت عنها السرية عن تحقيق مكثف مع أويكن، بما في ذلك شؤونه المالية. وفي إحدى رسائل البريد الإلكتروني التي حذفت أجزاء منها عام 2009، قال رئيس برنامج العملاء بدون غطاء سري الجديد إن هناك “نهجٍا متساهلا” في عمليات نشر العملاء السريين، متعهدا بأن أويكن “سيعود إلى الوطن في أول يوم أتولى فيه المنصب”. وكتب إلى الرئيس المنتظر للبرنامج: “إنه من النوع الذي أتطلع إلى تحطيمه” عند تولي البرنامج.
ويصف أويكن برنامج العمليات السرية بأنه جامد ويحتاج إلى إصلاح عاجل. وقال: “هناك نوع معين من مديري سي آي إيه يفضلون أن يكون العاملون في مهام بدون غطاء رسمي محاسبين بدوام كامل بدلا من جواسيس يخاطرون بحياتهم. وفي الوقت نفسه، يبددون مليارات الدولارات ويتجاهلون الأمر بينما يهرب أتباعهم بأكوام من سبائك الذهب”.
وفي أيار/مايو 2026، أُلقي القبض على ديفيد ج. راش، وهو مسؤول بارز في سي آي إيه كان يعمل على برامج سرية للغاية لجمع المعلومات الاستخباراتية، بتهمة اختلاس أموال عامة، بما في ذلك سرقة مزعومة لسبائك ذهبية من الوكالة بقيمة 40 مليون دولار. وعلى الرغم من أن رواية “مصنع المخلل” تصنف رسميا ضمن الأعمال الروائية، إلا أنها تسلط الضوء بوضوح على سي آي إيه في الواقع. يقول أويكن: “يكاد يكون من المستحيل على غير المتخصصين إدراك مدى تراجع مستوى أداء الوكالة. وحده كتاب روائي طويل قادر على تناول الموضوع بموضوعية”.
- الخضر يباشرون تحضيراتهم في بوجومبورا بحصة استرجاعية
- شايب يبحث مع الجالية الجزائرية بأمريكا الوسطى والجنوبية تحسين الخدمات القنصلية
- رفض أيرلندي لمصافحة لاعبي إسرائيل في دوري أمم أوروبا
- السويسريون يرفضون في استفتاء مشروعا لتعزيز حياد بلادهم
- مدن مغربية تشهد وقفات احتجاجية تضامنا مع الشعب الفلسطيني وتنديدا بالتطبيع


















0 تعليق