أكثر من نصف قرن من التحركات: هل تغيّر دور الاتحاد العمالي العام؟

منذ 39 دقيقة
يعود الاتحاد العمالي العام هذا الاسبوع إلى واجهة التحركات الاجتماعية، في ظل تصاعد الاعتراض على ارتفاع أسعار المحروقات وتآكل القدرة الشرائية وتراجع قيمة الأجور. وكان الاتحاد قد أعلن في 21 أيلول عن جملة مطالب، أبرزها تصحيح الأجور وبدل النقل، دفع الزيادات والتعويضات العائلية والمنح المدرسية، وتفعيل الرقابة على الأسعار، داعياً إلى تحركات وإضراب تحذيري بالتنسيق مع قطاعات نقابية مختلفة.
ويأتي هذا التحرك في لحظة حساسة بالنسبة إلى الاتحاد، الذي لطالما شكّل تاريخياً إحدى أدوات الضغط الأساسية للدفاع عن الأجور والحقوق الاجتماعية، قبل أن تتراجع قدرته على حشد الشارع في مراحل عدة نتيجة الانقسامات النقابية والتداخل مع الحسابات السياسية. ولذلك،
فإن تحرك يوم الأربعاء المقبل، لبعض القطاعات ومنها النقل البري التي دعت الى الاضراب العام لا يُقاس فقط بحجم المشاركة أو بمدى تعطيل القطاعات، بل بقدرة الاتحاد على الحفاظ على سقف مطالبه وتحويل الضغط في الشارع إلى نتائج ملموسة على طاولة الحكومة، ولا سيما في ملف الأجور وبدل النقل وضبط الأسعار.

منذ تأسيسه، شكّل الاتحاد العمالي العام في لبنان أحد أبرز الأطر النقابية التي يُفترض أن تتولى الدفاع عن حقوق العمال، وتحسين الأجور، ومواجهة تراجع القدرة الشرائية، والضغط على الحكومات لإقرار سياسات اجتماعية أكثر إنصافاً. إلا أن مسيرته لم تكن مجرد سجل من الإضرابات والتحركات المطلبية، بل عكست أيضاً طبيعة العلاقة المعقدة بين العمل النقابي والسلطة السياسية في لبنان، حيث تداخلت المصالح الحزبية والطائفية مع المطالب الاجتماعية، وأثّرت على استقلالية الحركة العمالية وقدرتها على فرض مطالبها.

وعلى امتداد عقود، شهد لبنان محطات نقابية بارزة، تمكّن خلالها الاتحاد من حشد العمال والضغط على الحكومات، لكنه واجه في المقابل انتكاسات عديدة، سواء نتيجة الانقسامات الداخلية، أو التدخلات السياسية، أو التسويات التي أفضت، في بعض الأحيان، إلى تعليق التحركات قبل الوصول إلى تحقيق المطالب الأساسية. ومع تراجع الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، عادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول دور الاتحاد، ومدى استقلالية قراره، وقدرته على استعادة موقعه كقوة تفاوضية تمثّل مصالح العمال.
من التأسيس إلى الحرب الأهلية: نقابة استطاعت فرض مطالبها

تعود الجذور التنظيمية للاتحاد العمالي العام إلى خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1958، حين أُجيز تأسيسه بقرار حكومي، في إطار محاولة توحيد الاتحادات النقابية اللبنانية ضمن هيئة جامعة. لكن الاتحاد لم يتحول إلى إطار شامل للحركة النقابية دفعة واحدة، إذ بقيت اتحادات عديدة خارجه، نتيجة الخلافات السياسية والتنظيمية، إلى أن اكتمل توحيد الاتحادات الأساسية تحت مظلته في أيار 1970.

شكّل إقرار ميثاق الاتحاد عام 1970 محطة مفصلية في تاريخه، إذ أصبح الإطار النقابي الوطني المعترف به للتفاوض بشأن قضايا العمال في القطاعين العام والخاص. إلا أن البنية التنظيمية التي أُنشئ عليها حملت منذ البداية ثغرات تتعلق بآليات التمثيل والانتخاب، الأمر الذي انعكس لاحقاً على استقلالية القرار النقابي، ولا سيما مع اتساع التدخلات السياسية في الشأن النقابي.
وخلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، بين عامي 1975 و1990، حافظ الاتحاد، وفق شهادات نقابيين، على قدر ملحوظ من الاستقلالية، وتمكن من تنفيذ تحركات مطلبية أدت إلى تصحيحات متكررة للأجور، رغم الانهيار الاقتصادي والتضخم وتراجع مؤسسات الدولة. وقد شهدت تلك المرحلة أكثر من عشر عمليات تصحيح للأجور، وفق شهادة نقابية منشورة في مجلة الأمن العام، وهو ما يعكس الدور الذي أدّته الحركة العمالية في الضغط من أجل حماية الأجور، حتى في ظل ظروف الحرب.
ولم تكن قوة الاتحاد في تلك المرحلة مرتبطة فقط بقدرته على تنظيم الإضرابات، بل أيضاً بقدرته على الحفاظ على حد أدنى من الوحدة النقابية، بعيداً عن الانقسامات التي ستطبع مرحلة ما بعد الحرب. وقد أتاحت له هذه الوحدة أن يكون طرفاً تفاوضياً فاعلاً، وأن يحوّل المطالب العمالية إلى ضغوط مباشرة على السلطة، بدلاً من أن تقتصر تحركاته على بيانات الاعتراض.

 إضراب 6 أيار 1992: محطة مفصلية وبداية التحوّل
شكّل إضراب السادس من أيار 1992، الذي دعا إليه الاتحاد العمالي العام برئاسة أنطوان بشارة، واحدة من أبرز المحطات في تاريخه. فقد جاء في ظل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وتراجع القدرة الشرائية، ورفع الاتحاد مطالب تتصل بالأجور والأوضاع المعيشية، داعياً إلى إضراب عام استمر ثلاثة أيام، تخللته اعتصامات وتظاهرات.
لكن التحرك سرعان ما تجاوز إطاره المطلبي، مع تسجيل أعمال قطع طرق وإحراق إطارات ومظاهر شغب، ورفع شعارات تطالب باستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي. وأدى الإضراب، في سياق التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، إلى استقالة الحكومة، ما جعل هذه المحطة مثالاً واضحاً على التداخل بين المطالب الاجتماعية والصراع السياسي.
وبحسب ما نقلته صحيفة «السفير» عن نقابيين شاركوا في تلك المرحلة، فوجئت قيادة الاتحاد بدخول أطراف إلى التحرك دفعت باتجاه توسيعه وتحويله إلى مواجهة سياسية مع الحكومة، وهو ما أثار مخاوف من توظيف المطالب العمالية في صراعات تتجاوز أهداف الاتحاد.
وفي شهادة أخرى ، تحدث نقابيون عن ضغوط سياسية مورست على قيادة الاتحاد خلال تلك المرحلة، وعن استدعاء قيادته إلى دمشق قبيل الإضراب، في ظل تدخلات هدفت إلى ضبط مسار الحركة النقابية. وتكشف هذه الشهادات، وإن كانت تعكس وجهة نظر نقابية، عن حجم الضغوط التي واجهها الاتحاد في مرحلة ما بعد الحرب، وعن انتقاله تدريجياً من موقع الضغط المستقل إلى موقع أكثر تأثراً بالتوازنات السياسية.
ولم يكن سقوط حكومة عمر كرامي نتيجة الإضراب وحده، إذ تزامن التحرك مع أزمة اقتصادية وسياسية واسعة، لكن هذه المحطة أظهرت بوضوح كيف يمكن للتحرك العمالي أن يتحول إلى أداة في الصراع على السلطة، وكيف يمكن للسياسة أن تتداخل مع المطالب النقابية، سواء عبر استثمارها أو عبر احتوائها.
 
مرحلة ما بعد الطائف: من الضغط على الحكومات إلى الخضوع للتوازنات السياسية

إذا كان إضراب عام 1992 قد شكّل نقطة تحوّل في مسيرة الاتحاد، فإن السنوات اللاحقة شهدت تراجعاً تدريجياً في استقلالية قراره، بالتزامن مع إعادة تشكيل الحياة السياسية والنقابية في لبنان بعد اتفاق الطائف.
وتشير دراسة بحثية صادرة عن مؤسسة فريدريش إيبرت، بعنوان «تطور دور الاتحاد العمالي العام بعد الحرب»، إلى أن مرحلة 1990–1993 اتسمت باستمرار قدرة الاتحاد على التفاوض والضغط، قبل أن يتحول، بين عامي 1993 و1997، إلى طرف منخرط في المعارضة السياسية، في سياق الصراع الذي دار آنذاك بين الرئيس رفيق الحريري وخصومه السياسيين.
لكن التحول الأبرز، بحسب الدراسة، بدأ عام 1997، حين تزايد نفوذ القوى السياسية في الاتحادات النقابية المنضوية تحت لواء الاتحاد، ما أدى إلى تراجع استقلالية قيادته، وتحول جزء من تحركاته إلى انعكاس للتفاهمات والخلافات بين القوى الممسكة بالسلطة.
ولم يقتصر هذا التدخل على التأثير في المواقف السياسية للاتحاد، بل امتد إلى آليات تشكيله وانتخاب قياداته، في ظل بنية تنظيمية أتاحت، وفق الدراسة، للأحزاب النافذة التأثير في موازين القوى داخل الاتحادات. كما ساهم تكاثر الاتحادات والروابط النقابية بعد الحرب في تعزيز قدرة القوى السياسية على التأثير في التمثيل النقابي.
وفي هذا السياق، لم يعد الإضراب بالضرورة نتيجة قرار نقابي مستقل، بل بات في بعض المحطات مرتبطاً بحسابات الأطراف السياسية، سواء لجهة توقيته أو سقف مطالبه أو قرار المضي فيه. ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة الاتحاد على ممارسة الضغط المستمر على الحكومات، وأصبح أكثر عرضة للتسويات التي قد تنهي التحركات من دون تحقيق كامل المطالب المرفوعة.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن الاتحاد دخل في مراحل لاحقة في جولات تفاوض مع السلطة، لكنه لجأ أيضاً إلى مراجعة المرجعيات السياسية والدينية طلباً للدعم، وهو ما يعكس انتقال جزء من العمل النقابي من التفاوض المؤسسي إلى الاستحصال على التغطية السياسية.
 
سلسلة الرتب والرواتب عام 2012: حين انتقلت المبادرة إلى هيئة التنسيق النقابية

شكّلت معركة سلسلة الرتب والرواتب عام 2012 اختباراً بارزاً لدور الاتحاد العمالي العام، خصوصاً مع اتساع التحركات التي قادتها هيئة التنسيق النقابية، والتي ضمت روابط المعلمين وموظفي القطاع العام، في مواجهة تآكل الأجور وتراجع القدرة الشرائية.
ففي الوقت الذي كانت فيه المطالب تتصاعد لإقرار سلسلة جديدة للرواتب والأجور، برز خلاف بين المقاربة التي اعتمدها الاتحاد العمالي العام والمطالب التي تبنتها هيئة التنسيق النقابية. وترافقت هذه المرحلة مع نقاش واسع بشأن تصحيح الأجور وضم بدل النقل إليها، وسط اعتراضات على حجم الزيادة المقترحة وعلى كيفية تمويلها.
ووفق تقرير «الاحتجاجات وقضايا العمال في لبنان عام 2012»، الصادر عن المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين، أدى موقف الاتحاد من تصحيح الأجور إلى انتقادات نقابية اتهمت قيادته بالتوصل إلى اتفاق مع أصحاب العمل على زيادة محدودة، بدلاً من تبني المطالب الأكثر اتساعاً التي طُرحت في تلك المرحلة.
وفي المقابل، تولّت هيئة التنسيق النقابية قيادة تحركات واسعة، شملت الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات، في معركة استمرت سنوات، وأصبحت خلالها الممثل الأبرز لمطالب شريحة واسعة من العاملين في القطاع العام، رغم أنها لم تكن اتحاداً معترفاً به رسمياً بالمعنى القانوني نفسه للاتحاد العمالي العام.
وتُظهر أرقام المرصد حجم الحراك الذي شهده عام 2012، إذ رصد 29 إضراباً و70 اعتصاماً وتظاهرتين في القطاع العام، إضافة إلى تحركات في المؤسسات والإدارات العامة والقطاع الخاص. وقد عكست هذه الأرقام اتساع الهوة بين حجم المطالب الاجتماعية والقدرة الفعلية للاتحاد العمالي العام على قيادتها.
كما شهد العام نفسه تحركات بارزة لعمال شركة كهرباء لبنان، الذين خاضوا إضراباً استمر 94 يوماً، إلى جانب تحركات عمال «سبينيس» للمطالبة بتطبيق الزيادة على الأجور والاعتراف بحقهم في التنظيم النقابي. وأظهرت هذه التحركات أن قطاعات عمالية عدة بدأت تبحث عن أطر بديلة للدفاع عن مصالحها، في ظل تراجع الثقة بقدرة الاتحاد على تمثيلها.
ولم تكن أزمة الاتحاد في هذه المرحلة مجرد خلاف على حجم الزيادات، بل عكست أزمة تمثيل أوسع، إذ باتت مجموعات نقابية تتحرك بصورة مستقلة عنه، بعدما رأت أن قرارات قيادته لا تعبّر بالضرورة عن أولويات العمال. وفي المقابل، أتاح هذا الواقع للسلطة التعامل مع أكثر من مرجعية نقابية، ما زاد من تعقيد المفاوضات وأضعف القدرة على توحيد المطالب.
 
من سلسلة الرتب إلى الانكفاء: كيف أضعفت السياسة الدور النقابي؟

لم تتوقف أزمة الاتحاد عند معركة سلسلة الرتب والرواتب، بل استمرت في السنوات اللاحقة، مع تراجع قدرته على قيادة تحركات واسعة ومستدامة، في وقت كانت فيه الأزمات المعيشية تتفاقم. وأصبح واضحاً أن المشكلة لا تتعلق فقط بضعف الموارد النقابية أو صعوبة التفاوض مع الحكومات، بل أيضاً بطبيعة العلاقة بين قيادة الاتحاد والقوى السياسية التي تؤثر في قراراته.
وتشير دراسة مؤسسة فريدريش إيبرت إلى أن مرحلة 1997–2017 اتسمت بتراجع كبير في استقلالية الاتحاد، نتيجة سيطرة أحزاب سياسية على عدد من الاتحادات المنضوية فيه. وقد انعكس ذلك على طبيعة التحركات التي كان يقررها، إذ باتت بعض الإضرابات مرتبطة بالتوازنات السياسية، فيما انتهت تحركات أخرى إلى التراجع أو الإلغاء في اللحظات الأخيرة.
ومن الأمثلة التي توردها الدراسة، التظاهرة التي كان الاتحاد يعتزم تنظيمها في بيروت في 7 أيار 2008، والتي تراجعت قيادته عن المضي بها في ظل التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد. وتعكس هذه المحطة مدى تأثر القرار النقابي بالظروف السياسية والأمنية، حتى عندما تكون المطالب المعلنة ذات طابع اجتماعي.
كذلك، ساهمت الانقسامات بين الاتحادات العمالية في إضعاف قدرة الاتحاد على توحيد المطالب، وأدى تراجع الثقة بقيادته إلى بروز أطر نقابية بديلة، كان أبرزها هيئة التنسيق النقابية. وبدلاً من أن يكون الاتحاد المظلة التي تجمع مختلف القطاعات العمالية، بات يواجه تحدياً متزايداً في إثبات شرعيته التمثيلية وقدرته على التعبير عن مصالح العمال.
 
كيف تُوظّف السياسة في تعطيل المطالب العمالية؟
يمكن استخلاص مجموعة من الآليات التي تكررت في محطات مختلفة من تاريخ الاتحاد، والتي ساهمت في إضعاف دوره المطلبي.
أولاً، التدخل في تشكيل القيادات النقابية، من خلال التأثير في الانتخابات وموازين القوى داخل الاتحادات، بما يجعل استقلالية القرار النقابي مرتبطة أحياناً بالتفاهمات بين الأحزاب، وليس فقط بإرادة القواعد العمالية.
ثانياً، تحويل الإضرابات إلى أوراق ضغط سياسية. فبدلاً من أن يبقى الإضراب وسيلة لتحقيق مطالب محددة، قد يتحول إلى أداة في مواجهة حكومة أو دعم طرف سياسي، الأمر الذي يجعل استمراره أو تعليقه مرتبطاً بتطورات لا علاقة مباشرة لها بحقوق العمال.
ثالثاً، اللجوء إلى التسويات التي لا تحقق كامل المطالب. ففي بعض المحطات، انتهت المفاوضات إلى اتفاقات جزئية أو زيادات محدودة، في حين بقيت المطالب الأساسية معلقة. ويبرز هذا الإشكال بوضوح في النقاشات التي رافقت تصحيح الأجور عام 2012، عندما اتسعت الهوة بين موقف الاتحاد ومطالب هيئة التنسيق النقابية.
رابعاً، إضعاف التمثيل النقابي المستقل، سواء من خلال تعدد المرجعيات أو من خلال تأثير القوى السياسية في الاتحادات، وهو ما يحدّ من قدرة العمال على توحيد موقفهم في مواجهة أصحاب العمل والحكومة.
ولا يعني ذلك أن جميع التسويات النقابية كانت بالضرورة نتيجة ضغوط سياسية، أو أن كل تراجع عن الإضراب يمثل تنازلاً عن الحقوق. فالتفاوض يقتضي أحياناً تقديم تنازلات متبادلة، كما أن الظروف الاقتصادية والمالية قد تفرض قيوداً فعلية على تنفيذ المطالب. لكن الإشكالية تظهر عندما تصبح الحسابات السياسية عاملاً حاسماً في تحديد سقف التحرك، على حساب الأولويات التي يحددها العمال أنفسهم.
 الأزمة الاقتصادية أعادت طرح السؤال عن وظيفة الاتحاد
مع الانهيار المالي والنقدي الذي شهده لبنان منذ عام 2019، تراجعت القيمة الفعلية للأجور، واتسعت الفجوة بين الرواتب وكلفة المعيشة، فيما واجه العاملون في القطاعين العام والخاص صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، باتت الحاجة إلى حركة نقابية قادرة على التفاوض والضغط أكثر إلحاحاً.
لكن الاتحاد العمالي العام واجه تحدياً مضاعفاً، يتمثل في ضرورة استعادة دوره التمثيلي، بالتزامن مع تراجع الثقة بالمؤسسات العامة وتزايد هشاشة سوق العمل. كما أن تعدد القطاعات واختلاف أوضاع العاملين، بين موظفي الدولة والعمال في القطاع الخاص والمتعاقدين، جعل من الصعب بلورة برنامج مطلبي موحد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل تراجع قدرة الأجور على مواكبة ارتفاع الأسعار، إذ إن المطالب العمالية لم تعد تقتصر على تصحيح الرواتب، بل تشمل أيضاً الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، وضمان استمرارية العمل، وتطبيق قوانين العمل، وحماية الحق في التنظيم النقابي.
ومن هنا، فإن استعادة الاتحاد لدوره لا ترتبط فقط بقدرته على الدعوة إلى الإضرابات، بل أيضاً بمدى استقلالية قراره، وشفافية آليات انتخاب قيادته، وقدرته على بناء تمثيل نقابي حقيقي يستند إلى مصالح العمال، لا إلى موازين القوى السياسية.
وعليه، يُظهر تاريخ الاتحاد العمالي العام في لبنان أن الحركة النقابية لم تكن دائماً عاجزة عن فرض مطالبها، بل استطاعت في مراحل معينة تحقيق تصحيحات للأجور وانتزاع مكاسب اجتماعية من خلال الضغط المنظم والتفاوض. إلا أن مرحلة ما بعد الحرب كشفت تدريجياً عن هشاشة استقلاليتها، مع تصاعد نفوذ القوى السياسية داخل بنيتها التنظيمية.
ومن إضراب عام 1992، مروراً بالتحولات التي شهدتها قيادة الاتحاد في التسعينيات، وصولاً إلى معركة سلسلة الرتب والرواتب عام 2012، تتكرر إشكالية أساسية تتمثل في الفارق بين المطالب التي يرفعها العمال والقرارات التي تتخذها القيادات النقابية. وقد أدى هذا التباعد، في محطات عديدة، إلى انتقال المبادرة من الاتحاد إلى أطر نقابية أخرى، أو إلى انتهاء التحركات من دون تحقيق جميع أهدافها.
ولا يمكن اختزال هذه المسيرة في اتهام الاتحاد بالتخلي عن حقوق العمال، كما لا يمكن تجاهل أثر التدخلات السياسية في إضعاف استقلاليته. فالمسألة ترتبط ببنية نقابية سمحت بتداخل التمثيل العمالي مع المصالح الحزبية والطائفية، وجعلت القرار النقابي عرضة للتجاذبات.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يبقى التحدي الأساسي أمام الاتحاد هو استعادة وظيفته الأصلية بوصفه إطاراً للدفاع عن حقوق العمال، بحيث يصبح معيار نجاحه مرتبطاً بقدرته على تحقيق مكاسب ملموسة، وليس بحجم التحركات التي يعلن عنها أو بموقعه في الاصطفافات السياسية.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق