الأمم المتحدة – “القدس العربي”: قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في كلمة مصورة مسجلة مسبقا أمام المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، “ليس حوادث منفصلة”، وإنما جزء من مخطط استعماري يهدف، وفق قوله، إلى جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة في وطنهم ودفعهم إلى مغادرته.
ولم يشارك عباس حضوريا في اجتماعات الجمعية العامة، بعدما قال إن الوفد الفلسطيني حُرم، للعام الثاني على التوالي، من تأشيرات الدخول اللازمة للوصول إلى نيويورك. ووصف القرار بأنه إجراء عقابي غير قانوني، رافضا الاتهامات والمبررات التي استند إليها، ومؤكدا أن القيادة الفلسطينية نفذت برنامجا شاملا للإصلاح، وتمسكت بالقانون الدولي ونبذ العنف والإرهاب وحل الدولتين.
واعتبر عباس أن حرمان الوفد الفلسطيني من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة يشكل انتهاكا لالتزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة. ودعا الإدارة الأمريكية إلى رفع العقوبات والقيود، واستئناف الحوار القائم على الاحترام المتبادل، والعمل مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي لتنفيذ حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، بدلا من معاقبة الجانب الذي اختار المسار السياسي والدبلوماسي والاحتكام إلى المؤسسات الدولية.
وقال إن لجوء الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يمثل خيارا “سلميا وحضاريا”، وليس عملا يتعارض مع السلام. وأضاف أن الشعب الفلسطيني وقيادته لا ينبغي أن يتعرضا للعقاب بسبب مطالبتهما بإنهاء الاحتلال وضمان حقوقهما عبر القانون الدولي.
عباس: ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ليس حوادث منفصلة، وإنما جزء من مخطط استعماري
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، قال عباس إن الفلسطينيين يتعرضون على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي للقتل والتدمير والتجويع ومحاولات التهجير، إلى جانب ما وصفه بـ”حرب إبادة” تسببت في كارثة إنسانية غير مسبوقة. وأضاف أن العمليات الإسرائيلية دمرت أحياء ومدنا ومخيمات ومؤسسات ومدارس وجامعات ومستشفيات ومساجد وكنائس، واستهدفت مقومات الحياة ومستقبل أجيال كاملة.
وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حذر الرئيس الفلسطيني من تسارع التوسع الاستيطاني وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية وعزل القدس وتهويدها. كما أشار إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية القوات الإسرائيلية، واستمرار مصادرة الأراضي وهدم المنازل والحواجز والمداهمات، ضمن منظومة وصفها بأنها تقوم على التمييز والتطهير العرقي و”إرهاب الدولة”.
وقال عباس إن القيادة الفلسطينية حذرت مرارا، من خلال الجمعية العامة ومجلس الأمن، من أن السياسات الإسرائيلية المخالفة للقانون الدولي ستقوض حل الدولتين، مضيفا أن هذا التحذير أصبح واقعا. وأكد أن الخطر لم يعد مقتصرا على منع إقامة الدولة الفلسطينية، بل بات يهدد حياة الشعب الفلسطيني ووجوده على أرضه، داعيا إلى تحرك دولي لمواجهة هذه السياسات.
وحذر عباس من وقوع “نكبة أخرى” بحق الشعب الفلسطيني، داعيًا المجتمع الدولي إلى منع تكرار المجازر التي وقعت عام 1948، ووقف اعتداءات الجماعات المسلحة التي قال إنها تعمل تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي وتحرق منازل الفلسطينيين وهم بداخلها.
وتساءل عباس عن المدة التي ستواصل خلالها بعض الدول التزام الصمت تجاه إسرائيل أو تزويدها بالأسلحة المستخدمة ضد الفلسطينيين. وقال إن العالم شهد حجم الخسائر في قطاع غزة والضفة الغربية، داعيا المجتمع الدولي إلى حماية الشعب الفلسطيني وضمان بقائه على أرضه، وإنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية.
وحذر من أن ما وصفه بالتطرف الإسرائيلي يسعى إلى توسيع المشروع الاستعماري وإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، ومحو الوجود الفلسطيني بصورة كاملة. واعتبر أن حل الدولتين يضمن السلام للجميع ويشكل بديلًا من استمرار التوسع والصراع.
عباس: لن نغادر وطننا، ولن نقبل التهجير، ولن نسمح لأحد بأن يقرر مستقبلنا نيابة عنا
وفي ما يتعلق بقطاع غزة، قال عباس إن القيادة الفلسطينية رحبت بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المؤلفة من عشرين بندًا، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، وخريطة الطريق الخاصة بتنفيذ المرحلة الثانية، بهدف وقف الهجمات والمعاناة الإنسانية، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وبدء إعادة إعمار القطاع.
لكنه أضاف أن هذه الخطوات لم تتجسد على الأرض، وأن عمليات القتل والهجمات الإسرائيلية لا تزال تحصد أرواح الرجال والنساء والأطفال في غزة. وأشار إلى مرور نحو عام على اعتماد القرار 2803 وإنشاء “مجلس السلام”، وإلى بقاء عام واحد فقط من المرحلة الانتقالية المحددة حتى نهاية عام 2027، مطالبًا بالإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية وعدم إهدار مزيد من الوقت.
وشدد عباس على ضرورة ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم أو مفتوح من دون أفق سياسي واضح ومحدد زمنيا. وقال إنها يجب أن تقود إلى إعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تحت سلطة دولة فلسطين ومؤسساتها الشرعية، استنادًا إلى مبدأ “دولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد وجهة شرعية واحدة مخولة بحمل السلاح”.
عباس: يجب ألا تتحول المرحلة الانتقالية في قطاع غزة إلى وضع دائم أو مفتوح من دون أفق سياسي واضح ومحدد زمنيا
وحذر الرئيس الفلسطيني من التهديدات والاعتداءات التي تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية، ولا سيما المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس والحرم الإبراهيمي في الخليل. وقال إن هذه الممارسات تنتهك الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات وحرية العبادة، مطالبًا بوقفها فورًا قبل أن تتطور إلى صراع ديني أوسع في المنطقة وخارجها.
كما قال إن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على مقار الأمم المتحدة ومؤسساتها في القدس والضفة الغربية تقوض قدرة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” على أداء مهامها، خصوصًا في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتدريب المهني.
ودعا عباس الدول والمنظمات الدولية والإقليمية إلى مواصلة تقديم الدعم المالي والسياسي لـ”الأونروا”، مؤكدًا أنه لا بديل منها ما دامت قضية اللاجئين من دون حل. وطالب كذلك بوقف الاعتداءات التي تستهدف الوكالة ومرافقها.
وفي ملف الاستيطان، حذر عباس بصورة خاصة من تنفيذ مخطط “E1″، قائلًا إنه يهدف إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، ومنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وطالب مجلس الأمن بالتدخل العاجل والمسؤول، وتنفيذ قراره رقم 2334 (2016)، الذي يدعو إلى وقف جميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
وقال الرئيس الفلسطيني إن الحكومة الإسرائيلية تحتجز أكثر من ستة مليارات دولار تعود إلى الشعب الفلسطيني، مطالبًا بالإفراج الفوري عن جميع الأموال المحتجزة وضمان تحويلها بصورة كاملة ومنتظمة.
وأعرب عباس عن تقديره للإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة لحماية حل الدولتين وحظر منتجات المستوطنات، كما رحب بالدعوة التي أطلقها قادة فرنسا وبريطانيا وكندا لعقد قمة في نيويورك بشأن القضية الفلسطينية، ودعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الوفاء بالتعهد الذي قال إنه قدمه إلى قادة الدول العربية والإسلامية في أيلول/سبتمبر الماضي، والمتعلق بمنع ضم الأراضي الفلسطينية ورفض تهجير الفلسطينيين.
وربط عباس بين الاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي وبين ما وصفه بتفكيك المؤسسات الفلسطينية واستنزاف مواردها المالية، معتبرًا أن هذه السياسات تصب في نتيجة واحدة تتمثل في إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والبقاء في أرضهم، وتقويض مؤسساتهم الوطنية ومنع قيام دولتهم. وطالب برفع القيود المالية والاقتصادية المفروضة على الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وإنهاء الحصار المالي، وضمان تحويل المستحقات الفلسطينية وفق بروتوكول باريس الاقتصادي الذي جرى الاتفاق عليه في أعقاب اتفاقات أوسلو.
وفي حديثه عن الإصلاحات الداخلية، قال عباس إنه بعد مرور عام على مؤتمر السلام الدولي واعتماد “إعلان نيويورك”، نفذت القيادة الفلسطينية برنامج الإصلاح الوطني الذي تعهدت به أمام الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي.
وأوضح أن الإجراءات شملت تعزيز الحوكمة المؤسسية وإدارة المالية العامة والشفافية والمساءلة وتدابير مكافحة الفساد وسيادة القانون. وأضاف أن السلطة الفلسطينية أنشأت نظامًا وطنيًا موحدًا للحماية والرعاية الاجتماعيتين يقوم على أساس الاحتياجات، وألغت القوانين واللوائح السابقة المتعلقة بهذا الملف، وحصلت على مراجعة دولية مستقلة أكد أنها أثبتت سلامة الإجراءات المتخذة.
وأشار عباس إلى مواصلة إصلاح نظام التعليم وتطوير المعايير والمناهج بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، وبما يتوافق مع المعايير الدولية. وقال إن هذه التعديلات تهدف إلى تعزيز قيم السلام والتسامح واحترام الآخرين، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
وأعلن الرئيس الفلسطيني أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية ستُجرى في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، على أن يعقبها استكمال تجديد مؤسسات المجلس الوطني الفلسطيني ثم إجراء الانتخابات الرئاسية.
وقال عباس إن القيادة الفلسطينية تمضي في مسار “التجديد الديمقراطي” وتمكين النساء والشباب، مشيرًا إلى إجراء انتخابات المجالس المحلية وانتخابات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، قبل الانتقال إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية وتجديد مؤسسات المجلس الوطني. وأكد التزام دولة فلسطين بالسعي إلى الأمن والسلام للجميع، ورفض الاعتداءات على المدنيين من أي جهة، ومواجهة الإرهاب والتطرف بجميع أشكالهما، إلى جانب مكافحة معاداة السامية والعنصرية والكراهية.
وأضاف أن الفلسطينيين يؤمنون بثقافة السلام والحوار والتعايش، ويسعون إلى إقامة دولة ديمقراطية تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وقال عباس إن الدولة الفلسطينية المنشودة ستكون منزوعة السلاح وتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. وأشار إلى أن التزام القيادة الفلسطينية بالتسوية السياسية لم يبدأ اليوم، مذكرًا بقرار عام 1988 الذي قبلت بموجبه ما وصفه بتسوية تاريخية تقوم على حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
وشدد على أن إنقاذ حل الدولتين يبدأ بالحفاظ على الأرض التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية وحماية السكان المقيمين فيها.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني سيبقى على أرضه ولن يقبل التهجير، مؤكدًا أن الاحتلال العسكري والتوسع الاستيطاني والضم واعتداءات المستوطنين لا يمكن أن تشكل حلًا أو تحقق أمنًا دائمًا. وقال إن الفلسطينيين لن يظلوا في انتظار ما تقرره الحكومات الإسرائيلية بشأن مستقبلهم، معتبرًا أن إسرائيل لا تملك الحق في اتخاذ القرار نيابة عنهم، وأن الأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على احتلال شعب آخر وحرمانه من حقوقه المشروعة.
وأكد الرئيس أن الفلسطينيين لا يريدون إطلاق عملية سياسية جديدة تقتصر على إدارة الصراع بينما تتغير الوقائع على الأرض يوميًا، بل مسارًا ينهي الاحتلال ويضمن لهم الحرية وتقرير المصير، ويوفر في الوقت نفسه الأمن والسلام للإسرائيليين ودول المنطقة.
وأوضح أن رؤيته تقوم على بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه وتقرير مستقبله بنفسه، وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وصولًا إلى سلام فلسطيني إسرائيلي يمهد للتكامل الإقليمي والتعاون والازدهار والأمن للجميع.
وشكر عباس الدول والشعوب التي ساندت الفلسطينيين واتخذت خطوات سياسية وإنسانية واقتصادية دعمًا لهم، ودعا الدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى القيام بذلك، كما طالب بمنحها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة أسوة ببقية دول العالم.
وفي رسالة إلى الفلسطينيين في الداخل والشتات، قال عباس إن تمسكهم بأرضهم ووحدتهم وحقوقهم المشروعة قدم “أعظم صور الكرامة والصمود”، مضيفًا: “لن نغادر وطننا، ولن نقبل التهجير، ولن نسمح لأحد بأن يقرر مستقبلنا نيابة عنا”.
وأكد أن الفلسطينيين سيمدون أيديهم إلى سلام يستند إلى الشرعية الدولية ويحقق الحرية والاستقلال والأمن وحسن الجوار لشعوب المنطقة.













0 تعليق