بيروت ـ «القدس العربي»: يتأرجح الوضع اللبناني على أكثر من خط سياسي وأمني واجتماعي، ففيما يواصل رئيس الحكومة نواف سلام البحث في نيويورك وواشنطن عن تسويات تحفظ الاستقرار وتفتح باب التعافي وإعادة الإعمار، يبقى الداخل اللبناني مثقلاً باعتداءات إسرائيلية مستمرة جنوباً، واقتصاد ضاغط ومطالب اجتماعية متصاعدة.
في جديد التصعيد الميداني، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة في اتجاه بلدات حداثا وبيت ياحون وعيتا الجبل. وتعرض وادي زبقين في قضاء صور لقصف مدفعي إسرائيلي.
إلى ذلك، فجّر الجيش الإسرائيلي شاليهات في مدينة الخيام بعد منتصف الليل، وأفيد عن تفجير كبير في البلدة دوّى صداه في عدد من قرى المنطقة، وعلم أن القوات الإسرائيلية أضرمت النار طوال النهار في الفيلات الواقعة غربي الخيام. وأدى التفجير إلى تضرّر خطوط التغذية الكهربائية وانقطاعها بالكامل في منطقة نبع الحمام، ما أسفر عن انقطاع التيار عن مناطق حاصبيا وشبعا والعرقوب.
وفي متابعة لتبعات التفجير الضخم، لا تزال تداعيات العصف القوي تظهر في البلدات المقابلة، ولا سيما في جديدة مرجعيون والقليعة. وأُفيد عن أضرار جسيمة لحقت بعدد من المنازل، شملت تحطم زجاج النوافذ، وتخلع بعض الأبواب، بالإضافة إلى تشققات في الجدران، نتيجة قوة العصف الناجم عن التفجير. كما طالت الأضرار مدرسة مرجعيون الوطنية، حيث تحطم جزء كبير من زجاج نوافذ الصفوف، ما دفع إدارة المدرسة إلى تعليق الدروس موقتاً، ريثما تتم أعمال التصليح واستبدال الزجاج المتضرر، حفاظًا على سلامة التلامذة والهيئة التعليمية.
وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية بأن الجيش الإسرائيلي نفذ تفجيراً عنيفاً على دفعتين في بلدة المنصوري بمحافظة الجنوب، فيما تعرضت الثلاثاء بلدة زوطر الشرقية بمحافظة النبطية لقصف مدفعي مركز. وفي قضاء مرجعيون بمحافظة النبطية، تمركزت آلية إسرائيلية عند المدخل الشمالي لبلدة الخيام من جهة منطقة الحمّام. وتزامن ذلك مع تنفيذ الجيش الإسرائيلي عملية تمشيط واسعة داخل البلدة باستخدام الأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة، وفق الوكالة.
وأضافت أن أعمدة الدخان تصاعدت من عدد من المنازل في المنطقة إثر إقدام الجيش الإسرائيلي على إضرام النيران فيها يوم الثلاثاء. وفي قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية، تعرضت بلدة برعشيت لقصف مدفعي إسرائيلي، بالتزامن مع تحليق طيران مسير في أجواء المنطقة.
دعاوى قضائية في فرنسا
في سياق متصل بالاعتداءات الإسرائيلية، رفع رجل أعمال فرنسي من أصل لبناني دعوى قضائية ضد مجهولين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، متهماً «الجيش الإسرائيلي باقتلاع 600 شجرة زيتون معمّرة تعود ملكيتها لعائلته» وفق ما أفاد محاموه وكالة «فرانس برس».
ويتحدث الفرنسي البالغ 37 عاماً، في الدعوى «عن اقتلاع أشجار يبلغ عمر بعضها خمسمئة عام، من أرض زرعتها عائلته على مدى 250 عاماً في بلدة زوطر الشرقية، مسقط رأسه في جنوب لبنان».
وحسب الدعوى المدنية المرفوعة بتهمة السرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات التي تُعد جرائم حرب، والتي اطلعت عليها وكالة «فرانس برس»، فقد اقتُلعت الأشجار من جذورها.
سلام شارك في القمة المتعددة الأطراف وشكر للجامعة العربية دعمها بيروت
ويشير المدعي، الذي ينص في دعواه على أنه «ليس عضواً في حزب الله ولا متعاطفاً معه»، إلى أنه «يشتبه في نقل الأشجار إلى إسرائيل». ويضيف «لا يوجد دليل يشير إلى أن حزب الله كان يستخدم المنزل أو الحقول الزراعية كمعدات عسكرية».
حسب المدعي، وهو رائد أعمال في المجال الرقمي، دُمّر منزل عائلته بالكامل جراء غارة جوية إسرائيلية قبل ساعات من إعلان وقف لإطلاق النار في جنوب لبنان في نيسان/أبريل 2026.
ويروي المدعي أن «السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي على المنطقة» حدثت بعد أسابيع قليلة، أعقبها اقتلاع أشجار الزيتون، وذلك بعد توقيع اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل في نهاية حزيران/يونيو.
وتؤكد الدعوى أن «تدمير أشجار الزيتون واقتلاعها دليل على جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في جنوب لبنان»، مستشهدة بشكل خاص بتقرير لمنظمة العفو الدولية. وصرح محاموه فنسان برينغارت ووليام بوردون ونيكولا بوسان لوكالة فرانس برس «هذه الأحداث جزء من سياق أوسع للتطهير العرقي وتدمير العديد من القرى على يد إسرائيل في جنوب لبنان. ويتوقع موكلنا من القضاء الفرنسي بذل كل ما في وسعه لتحديد هوية المسؤولين ومحاكمتهم».
وقد ندد مسؤولون لبنانيون ومنظمات غير حكومية وسكان محليون بتدمير أراض زراعية، لا سيما بالحرق، على يد إسرائيل في جنوب لبنان. وعند التواصل مع الجيش الإسرائيلي في آب/أغسطس بشأن هذه العمليات، قال إنه «على علم بالأثر البيئي المحتمل لعملياته في المنطقة»، وإنه يتخذ «إجراءات احتياطية للحد من الأذى على المدنيين وعلى البيئة».
وتستهدف شكاوى أخرى رُفعت في باريس الجيش الإسرائيلي على خلفية ارتكابات منسوبة له في لبنان، من بينها شكوى من الفنان الفرنسي اللبناني علي شري، الذي فقد والديه في غارة جوية إسرائيلية على مبنى سكني في بيروت في نيسان/ابريل، وشكوى أخرى رُفعت في تموز/يوليو من رجل فرنسي لبناني فقد والدته وشقيقته وابني شقيقته في غارات جوية إسرائيلية.
محادثات سلام
ولم تغب هذه الانتهاكات الإسرائيلية عن محادثات رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في نيويورك حيث شارك في القمة المتعددة الأطراف التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية وترأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وسوريا وتركيا والعراق والأردن ولبنان.
شكوى في باريس ضد جيش الاحتلال على خلفية اقتلاع أشجار زيتون معمرة
وعقد الرئيس سلام اجتماعاً مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي. وشكر سلام الأمين العام على مواقف الجامعة العربية الداعمة للبنان ولسيادته ووحدة أراضيه، ولا سيما موقفها الداعي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، ودعمها لجهود الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها، ولاستمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، مشدداً على «أهمية وحدة الموقف العربي في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وتنسيق المواقف والجهود العربية بما يسهم في خفض التصعيد وحماية أمن المنطقة واستقرارها». كذلك تم البحث في «أهمية حشد الدعم العربي للبنان في مسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، ودعم صمود اللبنانيين في المناطق المتضررة».
أما الوزير رجي فاجتمع بوزير خارجية قبرص كونستانتينوس كومبوس. وتطرق البحث إلى الصيغ المقترحة لمرحلة ما بعد «اليونيفيل». كما استحوذ ملف الربط الكهربائي بين لبنان وقبرص على الحيز الأكبر من المحادثات.
كما التقى رجي وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول وتركز البحث على ما بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، موضحاً «موقف الحكومة اللبنانية الداعي إلى ضرورة استمرار وجود دولي في الجنوب»، وشدد على «أهمية دعم الجيش اللبناني لتمكينه من إنجاز مهمته المتمثلة في بسط سيطرة القوى الأمنية الشرعية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية».
الوزير الألماني حيّا «شجاعة الحكومة اللبنانية في القرارات التي اتخذتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة»، وأعرب عن أمله في أن «تستكمل هذا المسار حتى إنجازه بالكامل». وكتب رجي على منصة «إكس»: «التقيت مع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز حيث تطرق البحث إلى الوضع في لبنان ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. كما شاركت في اللقاء مع الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي».

















0 تعليق