كشف الحساب الحقيقي لأي حكومة لا يبدأ فقط بما تم إنجازه، وإنما يبدأ أيضًا بما لم يتم إنجازه.
ومع إعلان الحكومة عن عقد مؤتمر في أكتوبر لتقديم كشف حساب عن الفترة الماضية، أتصور أن الأهم أن تكون هذه المناسبة فرصة حقيقية للمكاشفة والمصارحة، لا مجرد استعراض لما تحقق، أو رد على ما أُثير من انتقادات.
نحن بحاجة إلى أن نعرف بوضوح: ما المستهدفات التي وضعتها الحكومة؟ وما الذي تحقق منها؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما أسباب التعثر أو التأخير؟ والأهم من ذلك: من المسؤول عن كل ملف؟ ومن يتحمل مسؤولية ما أصابه من نجاح أو إخفاق؟
فالإنجازات لا تحتاج إلى مبالغة في تقديمها، والإخفاقات لا ينبغي أن تُدفن دائمًا تحت عنوان "التحديات والظروف".
هناك فارق كبير بين أن نقول إن الظروف كانت صعبة، وبين أن تتحول صعوبة الظروف إلى مبرر دائم لعدم تحقيق المستهدفات. وفي المقابل، من الإنصاف أيضًا أن نفرق بين ما تعثر لأسباب خارجة عن إرادة الحكومة، وبين ما كان يمكن إنجازه بصورة أفضل لو اتُّخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
المطلوب إذًا ليس محاكمة التجربة الحكومية، وإنما تقييمها بموضوعية وتجرد؛ أن نضع ما تحقق في ميزان، وما لم يتحقق في ميزان آخر، وأن نبحث بوضوح عن أسباب النجاح وأسباب الإخفاق.
فمن نجح في إدارة ملف وتحقيق المستهدفات الموضوعة له، يجب أن يُحسب له ذلك، ومن أخفق في إدارة ملف، فمن حق الرأي العام أن يعرف أسباب الإخفاق، وما إذا كان مرتبطًا بظروف خارجة عن الإرادة، أم بقرارات خاطئة، أم بتأخر في اتخاذ القرار، أم بضعف في آليات التنفيذ، وأن تكون هناك مساءلة حقيقية تتناسب مع حجم المسؤولية.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة المؤتمر.
فقيمة كشف الحساب لن تُقاس بعدد الأرقام التي سيجري عرضها، ولا بحجم الإنجازات التي ستتم الإشارة إليها، وإنما بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الأصعب: أين أخطأنا؟ لماذا أخطأنا؟ من المسؤول؟ وماذا سيتغير حتى لا تتكرر الأخطاء؟
فالشفافية الحقيقية لا تعني فقط أن نتحدث عن النجاحات، وإنما أن تكون لدينا الشجاعة نفسها للحديث عن جوانب القصور والتعثر، وأن يتحول الاعتراف بالمشكلة من مجرد موقف دفاعي إلى خطوة أولى نحو إصلاحها.
كما أن كشف الحساب لا ينبغي أن يتوقف عند تقييم الماضي، وإنما يجب أن ينتقل إلى المستقبل أيضًا.
ما الأولويات الجديدة؟ وما المستهدفات التي ستعمل الحكومة على تحقيقها؟ ومن المسؤول عن تنفيذ كل منها؟ وما الجداول الزمنية المحددة؟ وكيف ستُقاس النتائج؟ ومتى يمكن للرأي العام أن يعود إلى هذه الأهداف ليرى بوضوح ما تحقق منها وما لم يتحقق؟
هذه هي المكاشفة التي تصنع الثقة.
فالمواطن لا يحتاج إلى حكومة تقول له فقط ماذا فعلت، وإنما يحتاج أيضًا إلى حكومة تستطيع أن تقول له بوضوح: ماذا لم نفعل؟ ولماذا لم نفعله؟ وماذا سنفعل لتصحيح المسار؟
كشف الحساب الحقيقي ليس شهادة نجاح تُمنح للحكومة، وليس مؤتمرًا للدفاع عن تجربتها، وإنما هو مراجعة صريحة لأداء الدولة خلال فترة زمنية محددة؛ نعرف من خلالها ما الذي نجح، وما الذي أخفق، ولماذا حدث ذلك، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف يمكن البناء على ما تحقق ومعالجة ما لم يتحقق.
لأن الهدف من كشف الحساب ليس أن نثبت أننا نجحنا، وإنما أن نعرف أين نجحنا، وأين أخفقنا، وكيف نجعل المرحلة المقبلة أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق الأهداف التي نضعها.
















0 تعليق